ومن هذا التصور ندرك معنى الايات الأولى من السورة فنجدها تحديدا للشروط الازمة لطرف الحق في التدافع وهو قول الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) ، (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) ، فيتحدد لطرف الدفع ثلاثة شروط:
-العمل بما نقول ...
-والصف الواحد ...
-والقتال في سبيل الله.
أ) مقتضيات التصور القدري للدفع:
1)وحدة الحق:
والطريق إلى الله في الحقيقة واحد لاتعدد فيه، وهو الصراط المستقيم الذي نصبه الله موصلا لمن سلكه قال الله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ) ، فوحد سبيله، لأنه في نفسه واحد لاتعدد فيه، وجمع السبل المخالفة لأنها كثيرة متعددة، كما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم خط خطأ، ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خط خطأ خطوطا عن يمينه وعن يساره، ثم قال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) ، ومن هذا قوله تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) . فوحد النور الذي هو سبيله، وجمع الظلمات التي هي سبل الشيطان.
ومن فهم هذا فهم السر في إفراد النور وجمع الظلمات في قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّور) ، مع أن فيه سر ألطف من هذا يعرفه من يعرف منبع النور ومن أين فاض وأين فاض وأن أصله كله واحد.
وأما الظلمات فهي متعددة بتعدد الحجب المقتضية لها، وهي كثيرة جدا، لكل حجاب ظلمة، ولاترجع الظلمات إلى النور الهادي جل جلاله أصلا، لاوصفا، ولاذاتا، ولااسما، ولافعلا، وإنما ترجع إلى مفعولاته، فهو جاعل الظلمات.
ومفعولات الظلمات متعددة متكثرة بخلاف النور فإنه يرجع إلى اسمه وصفته تعالى أن يكون كمثله شئ، وهو نور السموات والأرض. قال ابن مسعود: ليس عند ربكم ليل ونهار، نور السموات والأرض من نور وجهه. ذكره الدرامي عنه، وفي صحيح مسلم عن أبي ذر: قلت يا رسول الله هل رأيت ربك؟ قال: نور اني أراه [1] .
والمقصود أن الطريق إلى الله وحده، فإنه الحق المبين، والحق مرجعه إلى واحد، وأما الباطل والضلال فلا ينحصر بل كل ماسواه باطل وكل طريق إلى الباطل فهو باطل متعدد ومتنوعة، جعلها الله كذلك لتنوع الاستعدادات، واختلافها رحمة منه وفضل، فهو صحيح لاينافي ماذكرناه من وحدة طريق. وكشف ذلك وإيضاحه أن الطريق هي واحدة جامعة لكل مايرضى الله، ومايرضيه متعدد متنوع فجميع مايرضيه طريق واحد، ومراضيه متعددة متنوعة بحسب الأزمان والأماكن والأشخاص والأحوال، وكلها طرق مرضاته، فهذه التي جعلها الله لرحمته وحكمته كثيرة ومتنوعة جدا لاختلاف استعدادات العباد وقوابلها. ولو جعلها نوعا واحدا، مع اختلاف الأذهان وقوة الاستعدادات وضعفها، لم يسلكها إلا واحد بعد واحد، ولكن لما اختلفت تنوعت الطرق ليسلك كل أمرئ إلى ربه طريقا يقتضيها استعداده وقوته وقبوله.
وإذا علم هذا فمن الناس من يكون سيد عمله وطريقه الذي يعد سلوكه إلى الله طريق العلم والتعليم.
(1) مسلم في الايمان رقم 178 والترمذي في التفسير باب ومن سورة النجم من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه.