الصفحة 91 من 276

ومع ذلك المعني فإن هناك فرق بين الإيمان و العقيدة , فإن الإيمان باعتباره الاطمئنان القلبي للحقيقة الاعتقادية قد يزيد وينقص، ولكن الحقائق الاعتقادية التي هي موضوع العقيدة تظل ثابتة في النفس لا تغيب.

ونحن في حاجة إلى مثال يوضح هذه الحقيقة، وليكن هذا المثال هو موقف حاطب ابن أبي بلتعة وخطابه إلى أهل مكة:

علم حاطب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذاهب إلى مكة ليفتحها بإذن الله, حدثته نفسه أن يبعث برسالة إلى قريش يخبرهم بجيش النبي الآتي إليهم؛ ليكون له يد عليهم يحفظون له بها أهله وماله بقريش، وهذا هو نص الرسالة:"ذكر السهيلي أنه قرأ كتاب حاطب: أن رسول الله قد توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل، وأقسم بالله لو سار إليكم وحده لنصره الله عليكم فإنه منجز له ما وعده. [1] "

ولعلنا نلاحظ فيها وصف حاطب لجيش المسلمين بصورة تحدث الرعب في نفوس قريش:"جيش كالليل يسير كالسيل"، كما نلاحظ قول حاطب وقسمه:"لو سار إليكم وحده لنصره الله عليكم فإنه منجز له ما وعده".

وهذه حقيقة اعتقادية ثابتة في قلب حاطب لم تتغير في أشد حالات الضعف؛ بدليل أن حاطب لم يحاول المحاولة إلا باعتبار أن الرسالة لن تؤثر في الموقف لأن الله عز وجل منجز لرسوله ما وعده كما قال حاطب في الرسالة.

ويقر حاطب بثباته على العقيدة رغم ضعفه موقفه فيقول:"لم أفعله ارتدادًا عن ديني ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام" [2] ، حتى إن تعبير حاطب عن اتخاذ السبب في حماية الأهل لم يخل من أروع أساسيات العقيدة، وهي أن الأمر بيد الله فقال:"أردت أن تكون لى عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي. [3] فتلاحظ قوله:"يدفع الله بها"."

وفي العلاقة بين الإيمان و الاعتقاد يكون الإيمان قبل الاعتقاد ولذلك قال الصحابي: كنا نؤت الإيمان قبل القرآن فالإيمان كحقيقة قلبية مستقرة يسبق الحقائق الاعتقادية

لان الإنسان المؤمن يتلقي الحقيقة الاعتقادية بإيمانه المستقر في القلب.

ولقد بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن الإيمان في القلب يكون قائم لتلقي آي حقيقة اعتقاديه وذلك عندما قال: [بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً لَهُ قَدْ حَمَلَ عَلَيْهَا الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ الْبَقَرَةُ فَقَالَتْ إِنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا وَلَكِنِّي إِنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ فَقَالَ النَّاسُ سُبْحَانَ اللَّهِ تَعَجُّبًا وَفَزَعًا أَبَقَرَةٌ تَكَلَّمُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنِّي أُومِنُ بِهِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ] [4] .

فقد اثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ... الإيمان لأبي بكر وعمر دون أن يصلهم الخبر الذي سيؤمنون به وذلك بمقتضى الإيمان المستقر في قلبهم الذي يتلقون به أي حقيقة اعتقاديه.

وكما تقرر في (الشريعة) الاعتبار النفسي في الأحكام الشرعية كان الاعتبار النفسي في حقائق العقيدة اسبق.

وليس أدل على ذلك من أسلوب مخاطبة العقل البشري في قضية التعريف بالله.

(1) قصة حاطب ابن أبي بلتعه الذي أرسل إلى قريش يُخبرهم بنية الرسول صلى الله عليه وسلم فتح مكة هي في الصحيحين أخرجها البخاري في (تفسير القرآن / لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء / ح 4890) ، ومسلم في (فضائل الصحابة / بـ من فضائل أهل بدر / ح 2494) من حديث علي بن أبي طالب.

(2) [متفق عليه] وقد تقدم في الذي قبله.

(3) [متفق عليه] وقد تقدم في الذي قبله.

(4) [متفق عليه] أخرجه البخاري في (المناقب / بـ قول النبي صلى الله عليه وسلم لو كنت ... / ح 3663) ، ومسلم في (فضائل الصحابة / بـ من فضائل أبي بكر رضي الله عنه / ح 2388) من حديث أبي هريرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت