ويدخل في إطار واجب الاستيعاب مراعاة الناحية العقلية، ومن أمثلة ذلك: الأعرابى الذي تصفه الصحابة بقولهم نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول، حتى جاء إلى رسول الله فيقول: يا محمد، ثم يسأل ماذا فرض الله عليه في اليوم والعام والعمر فيجيبه النبي عن ذلك فيقول الأعرابي: والله لا أزيد على ذلك ولا أنقص [1] . والحديث بنصه متفق عليه.
وفي النهاية يقرر النبي الارتباط بين البداوة والجفاوة كحقيقة قدرية في الطبع الإنساني فيقول:"من بدا جفا ومن اتبع الصيد غفل" [2] .وفي رواية: من سكن البادية جفا [3]
ومن مجموع هذه النصوص المقارنة بين البداوة والحضارة نستطيع أن نقدم مثالًا للسلوك الحضاري وغير الحضاري.
وأهم أمثلة السلوك الواردة في نصوص المقارنة؛ أن الكفر والنفاق والجفاوة والقعود عن القتال - وهي الصفات الأساسية - للأعراب تعتبر سلوك غير حضاري. وكذلك سلوك الأعرابي في المسجد، وكذلك سوء أدب الأعرابي مع الرسول -، فكل هذه الأنماط السلوكية بالمفهوم الإسلامي للحضارة تعتبر سلوك غير حضاري.
وفي المقابل يكون الإيمان والصدقة والرقة والجهاد والرحمة والحكمة ومراعاة الفوارق العقلية واستيعاب رعونة الغير؛ تعتبر بالمفهوم الإسلامي للحضارة سلوك وقيم حضارية.
وإذا كنا قد اتفقنا أن لكل أحوال بيئية خصائصها المقابلة لها في النفس، فإن هناك خصائص هي في حقيقتها ناشئة عن حال الانتقال بين البيئات، سواء من نزول آدم من الجنة إلى الأرض أو عودته من الأرض إلى الجنة، مثل خصيصة الحنين إلى الماضي الناشئة عن حياة الإنسان على الأرض بعد خروجه من بيئته الأصلية وهي الجنة، ومثل انتقال الإنسان إلى الجنة بخصائصه الناشئة عن أحوال الأرض.
إن إدراك الثوابت النفسية للإنسان لن يكون إلا بعد تحديد الخصائص النفسية له في كل مراحله البيئية؛ وذلك لأن مجموع هذه المراحل هي الحياة الإنسانية التي أرادها الله.
واستمرار مجموعة الخصائص خلال مجموع هذه المراحل هو الذي يمكن أن نسميه الثوابت النفسية ..
ومما لا شك فيه أن ارتباط الخصائص النفسية بكل مرحلة من المراحل البيئية بطبيعتها التي خلقها الله يعتبر حالة صحية، أو بمعنى آخر أن اختلاف الخصائص النفسية باختلاف البيئة هو أساس إثبات هذه الخصائص، فإذا نظرنا مثلًا إلى الوجود الإنساني على الأرض نجد أنه ذو طبيعة كدحية؛ لأن النزول على الأرض أساسًا كان وضعًا استثنائيًا، وعندما تنشأ الخصائص النفسية المتفقة مع طبيعة الكدح لا يكون ذلك هو الآخر استثناءً نفسيًا ولكن يكون خصيصة نفسية طبيعية لموافقتها لمقتضى طبيعة البيئة.
الجنة .. البيئة الأصلية ..
وانتقال الإنسان إلى الجنة هو في حقيقته جزاء لما كان منه في الدنيا، فكان لا بد أن يقاس نعيم الجنة كجزاء على واقع الدنيا كعمل، وأول مقتضيات هذا الانتقال أن يكون الإنسان بذاته وشخصيته ونفسيته هو الذي يكون في الجنة لأنه هو الذي عمل في الدنيا، ولكنه انتقل بها كصفة مكتسبة أراد أن يحياها في الجنة.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوما يحدث، وعنده رجل من أهل البادية
(1) [متفق عليه] أخرجه البخاري في (الإيمان / بـ الزكاة من الإسلام / 46) ، ومسلم في (الإيمان / بـ بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام / 11) من حديث طلحة بن عبيد لله؟.
(2) [ضعيف] أخرجه أحمد في (المسند / 8619) من حديث أبي هريرة.
قال الشيخ شعيب: ضعيف للاضطراب الذي وقع في إسناده. اهـ
(3) النسائي:"الصيد والذبائح"،وأبو داود:"الصيد"، وأحمد:"مسند بني هاشم".