ولأجل ارتباط الحضارة بالاستقرار الاجتماعي فإن الإسلام يعالج الفارق الحضاري بين الدولة باعتبارها قمة الاستقرار وبين واقع هؤلاء الأعراب باعتبار بعدهم عن الدولة.
وأهم عناصر هذه المواجهة هو التحذير من أن تكون الدولة موضعًا لتأثير الأعراب وعاداتهم. وفي هذا يقول الرسول -"لَا تَغْلِبَنَّكُمْ الْأَعْرَابُ عَلَى اسم صَلَاتِكُمْ الْمَغْرِبِ"فالْأَعْرَابُ َتَقُولُ هِيَ: الْعِشَاءُ. [1]
ومن عناصر تلك المعالجة؛ واجب استيعاب آثار الفارق الحضاري بين الدولة والأعراب من الناحية السلوكية. ومن أمثلة ذلك حديث الأعرابى الذي بال في المسجد الذي رواه البخاري، وفيه نهى النبي الصحابة أن يقطعوا عليه بولته، وقال:"لا تذرموه" (لا تقطعوا عليه بولته) ثم أفهمه الخطأ بقوله:"أخا العرب ما جعلت المساجد لهذا وإنما جعلت لعبادة الله" [2] . حتى إن الأعرابى تأثر لحكمة النبي - ورحمته فقال: اللهم ارحمنى ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا. فقال له النبي:"لقد حجّرت واسعًا" [3] . يعني ضيقت رحمة الله عز وجل بهذا الدعاء.
والأعرابي الذي جاء إلى الرسول - وقال له: أعطني من مال الله لا مالك ولا مال أبيك [4] . والآخر الذي قال: يا بني عبد مناف إنكم قوم مطل.
(1) [صحيح] أخرجه البخاري في (مواقيت الصلاة / بـ من كره أن قال للمغرب عشاء / 563) من حديث عبد بن مغفل.
(2) [صحيح] أخرجه مسلم في (الطهارة / بـ وجوب غسل البول وغيره من النجاسات / 284) عن أَنَس بْن مَالِكٍ قَالَ: [بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَهْ مَهْ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَأَمَرَ رَجُلًا مِنْ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ عَلَيْهِ] .
(3) [صحيح] أخرجه البخاري في (الأدب / بـ رحمة الناس والبهائم / ح 6010) من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ الْمَسْجِدَ وَالنَّبِيُّ - جَالِسٌ فَصَلَّى فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أحدًا، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ - فَقَالَ: لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ بَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَأَسْرَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ فَقَالَ النَّبِيُّ:"أَهْرِيقُوا عَلَيْهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ أَوْ"دَلْوًا مِنْ مَاءٍ"ثُمَّ قَالَ:"إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا"مُعَسِّرِين."
(4) [متفق عليه] أخرجه البخاري في (فرض الخمس / 3149) ، ومسلم في (الزكاة / بـ إعطاء من سأل بفحش وغلظة / 1057) من حديث أنس.