وهكذا من عرف البدع والشرك والباطل وطرقه فأبغضها لله وحذرها وحذر منها ودفعها عن نفسه ولم يدعها تخدش وجه إيمانه ولا تورثه شبهة ولا شكا، بل يزداد بمعرفتها بصيرة في الحق ومحبة له وكراهة لها ونفرة عنها أفضل ممن لا تخطر بباله ولا تمر بقلبه ... إلى قوله:
الفرقة الرابعة: فرقة عرفت سبيل الشر والبدع والكفر مفصلة وسبيل المؤمنين مجملة، وهذا حال كثير ممن اعتنى بمقالات الأمم ومقالات أهل البدع فعرفها على التفصيل ولم يعرف ما جاء به الرسول كذلك بل عرفه معرفة مجملة وإن تفصلت له في بعض الأشياء ... إلى أن قال: والمقصود أن الله سبحانه يحب أن تعرف سبيل أعدائه لتُجتَنب وتُبغَض، كما يجب أن تعرف سبيل أوليائه لتُحَبَّ وتُسلَك، وفى هذه المعرفة من الفوائد والأسرار مالا يعلمه إلا الله من معرفة عموم ربوبيته سبحانه وحكمته وكمال أسمائه وصفاته وتعلقها بمتعلقاتها واقتضائها لآثارها وموجباتها وذلك من أعظم الدلالة على ربوبيته وملكه وإلهيته وحبه وبغضه وثوابه وعقابه والله أعلم اهـ [1]
فوجب على كل مسلم يرجو النجاة أن يتعلم مذهب أهل السنة وما كان عليه سلف هذه الأمة، حتى يكون على بصيرة من دينه، وخاصة ممن يشتغل بالعلم والدعوة إلى دين الله تعالى، وقد قال الله تعالى (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين) [2] ، والله تعالى قد عصم سلف هذه الأمة من أن يجتمعوا على ضلالة، وأعني بالسلف القرون الثلاثة الأولى المفضلة الذين قال فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) [3] ، فهؤلاء قوم من تبعهم واقتدى بهم هُدي إلى صراط مستقيم، ومن تنكب طريقهم ضل وغوى.
(1) الفوائد لابن القيم ج1/ 108: 111.
(2) سورة يوسف، الآية: 118.
(3) رواه البخاري وابن حبان والترمذي وأحمد والبيهقي والطبراني في الكبير عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) قال عمران: لا أدري أذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد قرنه قرنين أو ثلاثة ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (إن بعدكم قوما يخونون ولا يؤتمنون ويشهدون ولا يستشهدون وينذرون ولا يفون ويظهر فيهم السمن) ، وعنده عنه أيضا بلفظ (خير أمتي قرني ... ) الحديث وفي رواية الطبراني (يحبون السمن) ، وعند البخاري أيضا عن عمران بلفظ (خير القرون قرني) ، ورواه البخاري والترمذي وأحمد والبيهقي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته) ، وعند الطبراني في الكبير بلفظ (خير الناس قرني ثم الثاني ثم الثالث ثم يجئ قوم لا خير فيهم) ، ورواه مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي الناس خير؟ قال (قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يجئ قوم تبدر شهادة أحدهم يمينه وتبدر يمينه شهادته) وعنده أيضا عنه بلفظ (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) فلا أدرى في الثالثة أو في الرابعة قال - صلى الله عليه وسلم - (ثم يتخلف من بعدهم خلف تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته) ، ورواه مسلم أيضا والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (خير أمتي القرن الذين بعثت فيهم ثم الذين يلونهم) والله أعلم أذكر الثالث أم لا قال (ثم يخلف قوم يحبون السمانة يشهدون قبل أن يستشهدوا) ، ورواه أيضا عن عمران بن حصين بلفظ (إن خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) قال عمران: فلا أدرى أقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد قرنه مرتين أو ثلاثة (ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن) وعنده عنه بلفظ (خير هذه الأمة القرن الذين بعثت فيهم ثم الذين يلونهم) ، وله رواية عنده عن عمران أيضا بلفظ (خير القرون قرني) ، ورواه مسلم أيضا عن عائشة قالت: سأل رجل النبي - صلى الله عليه وسلم: أي الناس خير؟ قال (القرن الذي أنا فيه ثم الثاني ثم الثالث) ، ورواه الحاكم في المستدرك والطبراني في الكبير عن جعدة بن هبيرة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الآخرون أردى) ، والحديث رواه الترمذي عن عمر بن الخطاب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل ولا يستشهد ويحلف الرجل ولا يستحلف) وعند ابن حبان عن عمر بلفظ (خير القرون قرني) ، ورواه أيضا أحمد وابن حبان عن النعمان بن بشير قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يأتي قوم يسبق أيمانهم شهادتهم وشهادتهم أيمانهم)