وذلك حسب ما يسره الله لعباده وقسمه بينهم من رحمته وحكمته بسابق قدره وكلمته. اهـ [1]
قلت: مما سبق يتبين أن معرفة الحق وتعلم مذهب أهل السنة في مسائل التوحيد والإيمان ـ ولا سيما في أصوله ـ من الواجبات العينية على كل مسلم وخاصة في زماننا هذا حيث انتشرت البدعة وغابت السنة في كثير من البلاد، واختلط الحق بالباطل حتى أصبح الحق غريبا بين المسلمين أنفسهم، وإذا غيرت البدعة قال الناس غيرت السنة.
وإن حصل هذا الخلط بين الجهال فلا عجب، ولكن العجيب أن ترى ذلك حاصلا بين من ينتسب إلى العلم الشرعي وأهله، وقد وجد أهل البدع طريقا إلى الحكام والسلاطين وقد اتحدت أهدافهم واستعانوا بهم لنشر مذاهبهم الباطلة والبطش بكل من ينتسب إلى السنة في أغلب بلاد المسلمين، وقد صاروا للطواغيت جندا محضرين وأذنابا مخلصين، فهؤلاء الحكام عندهم مسلمون مؤمنون بل هم أولياء الأمور الموحدين! وفي المقابل فقد شنوا الغارة على كل موحد ومجاهد عادى هؤلاء الطواغيت وحذر المسلمين من قوانينهم وكفرياتهم وباطلهم ودعاهم إلى اجتنابهم والبراءة من شركهم وتشريعهم الذي ما أنزل الله به من سلطان.
فشمر أعوان الطواغيت ومفتيهم عن ساق العداوة لأولئك الموحدين، ودفعوا في وجوههم كل ما ملكوه من كذب وزور وبهتان، ولم يجدوا في ذلك أدنى حرج أو ضيق، فهم كما زعموا يتقربون إلى الله تعالى بذلك، فأولئك الموحدون عندهم خوارج مارقون والطواغيت وأنصارهم مسلمون، وهكذا وبهذا التأصيل المنحرف عن هدي السلف عادى هؤلاء خيار أهل الأرض من الموحدين والمجاهدين ووالوا ونصروا شرار خلق الله من الطواغيت والمحاربين، وهذه نتيجة حتمية للإعراض عن الحق الذي نزل من السماء ولا يظلم ربك أحدا.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: قال تعالى (وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين) ، وقال تعالى (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى) الآية، والله تعالى قد بين في كتابه سبيل المؤمنين مفصلة، وسبيل المجرمين مفصلة، وعاقبة هؤلاء مفصلة، وعاقبة هؤلاء مفصلة، وأعمال هؤلاء وأعمال هؤلاء، وأولياء هؤلاء وأولياء هؤلاء، وخذلانه لهؤلاء وتوفيقه لهؤلاء، والأسباب التي وفق بها هؤلاء والأسباب التي خذل بها هؤلاء، وجلّى سبحانه الأمرين في كتابه، وكشفهما وأوضحهما وبينهما غاية البيان، حتى شاهدتهما البصائر كمشاهدة الأبصار للضياء والظلام.
(1) تفسير القرطبي ج 8/ 274.