فرض عين: وهو ما لا يُعذر المكلف بجهله، ويجب عليه تحصيله ـ إن كان قادرا على ذلك ومتمكنا منه ـ ويشمل هذا النوع من العلم معرفة فروض الأعيان من شروط صحة الشهادتين وشروط العبادات من صلاة وصيام وزكاة وحج وجهاد وواجباتها التي افترضها الله تعالى على عباده، فإن هذا الصنف واضح ظاهر في الكتاب والسنة لمن طلبه وسأل عنه، ولذلك فقد ورد عن حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: التفسير أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير تعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى، قال محمد بن محمد الغزي رحمه الله: قال الزركشي في البرهان في قول ابن عباس: هذا تقسيم صحيح، فأما الذي تعرفه العرب فهو الذي يرجع فيه إلى لسانهم وذلك اللغة والإعراب ... إلى أن قال:
وأما ما لا يعذر أحد بجهله فهو ما تتبادر الأفهام إلى معرفة معناه من النصوص المتضمنة شرائع الأحكام ودلائل التوحيد وكل لفظ أفاد معنى واحدا جليا يعلم أنه مراد الله تعالى، فهذا القسم لا يلتبس تأويله إذ كل أحد يدرك معنى التوحيد من قوله تعالى (فاعلم أنه لا إله إلا الله) وأنه لا شريك له في الإلهية، وأن لم يعلم أن لا موضوعة في اللغة للنفي وإلا للإثبات وأن مقتضى هذه الكلمة الحصر، ويعلم كل أحد بالضرورة أن مقتضى قوله تعالى (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) ونحوها من الأوامر طلب إيجاب المأمور به وإن لم يعلم أن صيغة أفعل للوجوب، فما كان من هذا القسم لا يعذر أحد يدعي الجهل بمعاني ألفاظه، لأنها معلومة لكل أحد بالضرورة.
وأما ما لا يعلمه إلا الله تعالى فهو ما يجري مجرى الغيوب نحو الآي المتضمنة قيام الساعة وتفسير الروح والحروف المقطعة وكل متشابه في القرآن عند أهل الحق فلا مساغ للإجتهاد في تفسيره ولا طريق إلى ذلك إلا بالتوقيف بنص من القرآن أو الحديث أو إجماع الأمة على تأويله، وأما ما يعلمه العلماء ويرجع إلى اجتهادهم فهو الذي يغلب عليه إطلاق التأويل وذلك استنباط الأحكام وبيان المجمل وتخصيص العموم ... إلى آخر قوله [1]
وكذلك ما يتلبس به المكلف من أعمال مثل البيع والشراء والإجارة فإنه يجب عليه معرفة أحكامها، فإن من المعلوم في الشريعة المطهرة أنه لا يجوز للمكلف أن يقدم على مثل هذه الأعمال إلا بعد أن يعلم حكم الله تعالى فيها، وذلك للأدلة القاضية بوجوب العلم قبل القول والعمل، ومن هذه الأدلة قوله تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع
(1) إتقان ما يحسن من الأخبار الدائرة على الألسن لمحمد بن محمد بن محمد الغزي ج2/ 480، 481.