فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 29

فمضمون الأمر: أن المنايا محتومة. فكم ممن حضر الصفوف فسلم، وكم ممن فر من المنية فصادفته كما قال خالد بن الوليد لما احتضر"لقد حضرت كذا وكذا صفًا، وإن ببدنى بضعًا وثمانين، ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح، ورمية بسهم وها أنذا أموت على فراشى كما يموت العنز، فلا قرت أعين الجبناء".

ثم قال تعالى: (قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا) .

قال العلماء: كان من المنافقين من يرجع من الخندق فيدخل المدينة، فإذا جاءهم أحد قالوا له: ويحك أجلس، فلا تخرج .. ويكتبون بذلك إلى أخوانهم الذين بالعسكر: أن ائتونا بالمدينة، فإنا ننتظركم، يثبطونهم عن القتال. وكانوا لا يأتون العسكر إلا أن لا يجدوا بدًا، فيأتون العسكر ليرى الناس وجوههم فإذا غفل عنهم عادوا إلي المدينة. فانصرف بعضهم من عند النبى صلى الله عليه وسلم فوجد أخاه لأبيه وأمه وعنده شواء ونبيذ، فقال: أنت هاهنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرماح والسيوف؟ فقال: هلم إلى .. فقد أحيط بك وبصاحبك.

فوصف المثبطين عن الجهاد - وهم صنفان - بأنهم إما أن يكونوا في بلدة الغزاة، أو في غيره. فإن كانوا فيه عوقهم عن الجهاد بالقول، أو بالعمل، أو بهما، وإن كانوا في غيره راسلوهم، أو كاتبوهم: بأن يخرجوا اليهم من بلدة الغزاة ليكونا معهم بالحصون، أو بالبعد كما جرى في هذه الغزاة

فإن أقوامًا في العسكر والمدينة وغيرها صاروا يعوقون من أراد الغزو، وأقوامًا بعثوا من المعاقل والحصون أو غيرها إلى أخوانهم: هلم إلينا.

قال الله تعالى فيهم: (ولا يأتون البأس إلا قليلًا. أشحة عليكم) أى بخلاء عليكم بالقتال معكم، والنفقة في سبيل الله.

وقال مجاهد: بخلاء عليكم بالخير والظفر والغنيمة.

وهذه حال من بخل على المؤمنين بنفسه وماله، أو شح عليهم بفضل الله: من نصره ورزقه الذى يجزيه بفعل غيره. فإن أقوامًا يشحون بمعروفهم، وأقوامًا يشحون بمعروف الله وفضله، وهم الحساد.

ثم قال تعالى: (فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذى يغشى عليه من الموت) من شدة الرعب الذى في قلوبهم يشبهون المغمى عليه وقت النزع. فإنه يخاف ويذهل عقله، ويشخص بصره، ولا يطرف، فكذلك هؤلاء لأنهم يخافون القتل.

(فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد) .

ويقال في اللغة"صلقوكم"وهو رفع الصوت بالكلام المؤذى ومنه"الصالقة"وهى التى ترفع صوتها بالمصيبة .. يقال: صلقة، و سلقة - وقد قرأ طائفة من السلف بها لكنها خارجة عن المصحف - إذا خاطبه خطابًا شديدًا قويًا.

ويقال: خطيب مسلاق إذا كان بليغًا في خطبته، لكن الشدة هنا في الشر لا في الخير كما قال"بألسنة حداد" (أشحة على الخير) وهذا السلق بالألسنة الحادة.

وهذا يكون بوجوه: تارة يقول المنافقون للمؤمنين: هذا الذى جرى علينا بشؤمكم فإنكم أنتم الذين دعوتم الناس إلى هذا الدين، وقاتلتم عليه، وخالفتموهم فإن هذا مقال المنافقين للمؤمنين من الصحابة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت