محرمات، أما في حق الله، وإما في حق العباد كترك الصلاة، وشرب الخمور، وسب السلف، وسب جنود المسلمين، والتجسس لهم على المسلمين، ودلالتهم على أموال المسلمين، وحريمهم، وأخذ أموال الناس، وتعذيبهم، وتقوية دولتهم الملعونة وإرجاف قلوب المسلمين منهم، إلى غير ذلك من أنواع الفتنة.
ثم قال تعالى: (ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسئولا) ، وهذه حال أقوام عاهدوا ثم نكثوا، قديمًا وحديثًا، في هذه الغزوة.
فإن في العام الماضى، وفى هذا العام: في أول الأمر، كان من أصناف الناس من عاهد على أن يقاتل ولا يفر، ثم فر منهزمًا، لما اشتد الأمر.
ثم قال الله تعالى: (قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل. وإذًا لاتمتعون إلا قليلا) فأخبر الله أن الفرار لا ينفع لا من الموت ولا من القتل، فالفرار من الموت كالفرار من الطاعون.
ولذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم:"إذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه"والفرار من القتل كالفرار من الجهاد.
وحرف"لن"ينفى الفعل في الزمن المستقبل، والفعل نكرة، والنكرة في سياق النفى تعم جميع أفرادها0
فأقتضى ذلك: أن الفرار من الموت أو القتل ليس فيه منفعة ابدًا وهذا خبر الله الصادق فمن أعتقد أن ذلك ينفعه فقد كذب الله في خبره.
والتجربة تدل على مثل ما دل عليه القرآن. فإن هؤلاء الذين فروا في هذا العام لم ينفعهم فرارهم، بل خسروا الدين والدنيا وتفاوتوا في المصائب، والمرابطون الثابتون نفعهم ذلك في الدين والدنيا. حتى الموت الذى فروا منهم كثر فيهم وقل في المقيمين. فمات مع الهرب من شاء، والطالبون للعدو والمعاقبون له لم يمت منهم أحد، ولا قتل .. بل الموت قل في البلد من حين خرج الفارون .. وهكذا سنة الله قديمًا وحديثًا.
ثم قال تعالى: (وإذًا لاتمتعون إلا قليلًا) يقول: لو كان الفرار ينفعكم لم ينفعكم إلا حياة قليلة، ثم تموتون، فإن الموت لابد منه.
وقد حكى عن بعض الحمقى أنه قال: فنحن نريد ذلك القليل.
وهذا جهل منه بمعنى الآية فإن الله لم يقل: إنهم يتمتعون بالفرار قليلًا .. لكنه ذكر أنه لا منفعة فيه أبدًا.
ثم ذكر جوابًا ثانيًا .. أنه لو كان ينفع لم يكن فيه إلا متاع قليل.
ثم أنه ذكر جوابًا ثالثًا، وهو أن الفار يأتيه ما قضى له من المضرة، ويأتى الثابت ما قضى له من المسرة، فقال: (قل من ذا الذى يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءًا أو أراد بكم رحمة ولايجدون لهم من دون الله وليًا ولا نصيرًا) .
ونظيره: قوله في سياق آيات الجهاد (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة) ، وقوله: (يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيى ويميت والله بما تعملون بصير) .