ثم قال تعالى: (وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا) . وكان النبى صلى الله عليه وسلم قد عسكر بالمسلمين عند سلع، وجعل الخندق بينه وبين العدو. فقالت طائفة منهم: لا مقام لكم هنا، لكثرة العدو فارجعوا إلى المدينة.
وقيل: لا مقام لكم على دين محمد، فارجعوا إلى دين الشرك.
وقيل: لا مقام لكم على القتال، فارجعوا إلى الاستئمان والاستجارة بهم.
وهكذا لما قدم هذا العدو كان من المنافقين من قال: ما بقيت الدولة الإسلامية تقوم فينبغى الدخول في دولة التتار.
وقال بعض الخاصة: ما بقيت أرض الشام تسكن، بل ننتقل عنها، إما إلى الحجاز واليمن، وإما إلى مصر.
وقال بعضهم: بل المصلحة الاستسلام لهؤلاء، كما قد استسلم لهم أهل العراق والدخول تحت حكمهم.
فهذه المقالات الثلاث قد قيلت في هذه النازلة، كما قيلت في تلك. وهكذا قال طائفة من المنافقين الذين في قلوبهم مرض، لأهل دمشق خاصة، والشام عامة: لا مقام لكم في هذه الأرض.
ونفى المقام بها أبلغ من نفى المقام، وإن كانت قد أقرئت بالضم أيضًا. فإن من لم يقدر أن يقوم بالمكان فكيف يقيم به؟
قال الله تعالى: (ويستأذن فريق منهم النبى يقولون إن بيوتنا عورة وما هى بعورة إن يريدون إلا فرارًا) .
كان قوم من هؤلاء المذمومين يقولون - والناس مع النبى صلى الله عليه وسلم عند سلع داخل الخندق، والنساء والصبيان في آطام المدينة: يا رسول الله، إن بيوتنا عورة أى مكشوفة، فليس بينها وبين العدو حائل.
واصل العورة: الخالى، الذى يحتاج إلي حفظ وستر، يقال: أعور مجلسك إذا ذهب ستره، أو سقط جداره، ومنه عورة العدو.
وقال مجاهد والحسن: أى ضائعة يخشى عليها السراق.
وقال قتادة: قالوا: بيوتنا مما يلى العدو، فلا نأمن على أهلنا، فائذن لنا أن نذهب إليها لحفظ النساء والصبيان.
قال الله تعالى: (وما هى بعورة) لأن الله يحفظها (إن يريدون إلا فرارًا) فهم يقصدون الفرار من الجهاد، ويحتجون بحجة العائلة.
وهكذا أصاب كثيرًا من الناس في هذه الغزاة، صاروايفرون من الثغر إلي المعاقل والحصون وإلى الأماكن البعيدة كمصر، ويقولون: ما مقصودنا إلا حفظ العيال، وما يمكن ارسالهم مع غيرنا0 وهم يكذبون. فقد كان يمكنهم جعلهم في حصن دمشق، لو دنا العدو كما فعل المسلمون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فقد كان يمكنهم إرسالهم والمقام للجهاد. فكيف بمن فر بعد إرسال عياله؟
قال الله تعالى: (ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا) فأخبر أنه لو دخلت عليهم المدينة من جوانبها ثم طلبت منهم الفتنة - وهى الافتتان عن الدين بالكفر، أو النفاق - لأعطوا الفتنة، ولجاءوها من غير توقف.
وهذه حال أقوام لو دخل عليهم هذا العدو المنافق المجرم ثم طلب منهم موافقته على ما هو عليه من الخروج عن شريعة الإسلام - وتلك فتنة عظيمة - لكانوا معه على ذلك كما ساعدهم في العام الماضى أقوام بأنواع من الفتنة في الدين والدنيا، ما بين ترك واجبات وفعل