فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 29

وأما الذين في قلوبهم مرض فقد تكرر ذكرهم في هذه السورة. فذكروا هنا وفى قوله: (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة) وفى قوله: (فيطمع الذى في قلبه مرض) .

وذكر الله مرض القلب في مواضع فقال تعالى (إذا يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم) .

والمرض في القلب كالمرض في الجسد. فكما أن هذا هو إحالة عن الصحة والاعتدال، من غير موت، فكذلك قد يكون في القلب مرض يحيله عن الصحة والاعتدال، من غير أن يموت القلب، سواء أفسد إحساس القلب وإدراكه، أو أفسد عمله وحركته.

وذلك - كما فسروه - هو من ضعف الإيمان، إما بضعف علم القلب واعتقاده، وإما بضعف عمله وحركته. فيدخل فيه من ضعف تصديقه ومن غلب عليه الجبن والفزع، فإن أدواء القلب من الشهوة المحرمة والحسد والجبن والبخل وغير ذلك، كلها أمراض. وكذلك الجهل والشكوك والشبهات التى فيه.

وعلى هذا قوله: (فيطمع الذى في قلبه مرض) هو إرادة الفجور، وشهوة الزنا , كما فسروه به. ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم: (وأى داء أدوى من البخل؟)

وقد جعل الله تعالى كتابه شفاء لما في الصدور.

وقال النبى صلى الله عليه وسلم (إنما شفاء العى السؤال) .

وكان يقول في دعائه: (اللهم إنى أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأهواء والأدواء) .

ولن يخاف الرجل غير الله إلا لمرض في قلبه.

كما ذكروا أن رجلًا شكا إلى أحمد بن حنبل خوفه من بعض الولاة، فقال: لو صححت لم تخف أحدًا. أى خوفك من أجل زوال الصحة من قلبك.

ولهذا أوجب الله عباده ألا يخافوا حزب الشيطان، بل لا يخافون غيره تعالى. فقال (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخوفهم وخافون إن كنتم مؤمنين) أى يخوفكم أولياءه.

وقال لعموم بنى إسرائيل تنبيهًا لنا (وإياى فارهبون) .

وقال: (فلا تخشوا الناس واخشون) ، وقال: (لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشونى) ، وقال تعالى: (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون) ، وقال: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله) ، وقال: (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدًا إلا الله) ، وقال: (ألا تقاتلون قومًا نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه) .

فدلت هذه الآية - وهى قوله تعالى: (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض) على أن المرض والنفاق في القلب يوجب الريب في الأنباء الصادقة التى توجب كفر الإنسان من الخوف، حتى يظنوا أنها كانت غرورًا لهم، كما وقع في حادثتنا هذه سواء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت