فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 29

وكان ذلك من أعظم الأسباب التى صرف الله به العدو. فإنه كثر عليهم الثلج والمطر والبرد، حتى هلك من خيلهم ما شاء الله، وهلك أيضًا منهم من شاء الله، وظهر فيهم وفى بقية خيلهم من الضعف والعجز بسبب البرد والجوع ما رأوا أنهم لا طاقة لهم معه بقتال. حتى بلغنى عن بعض كبار المقدمين في أرض الشام أنه قال: لا بيض الله وجوهنا. عدونا في الثلج إلى شعره، ونحن قعود لا نأخذهم؟

وحتى علموا أنهم كانوا صيدًا للمسلمين، لو يططادونهم. لكن في تأخير الله لصطيادتهم حكمة عظيمة.

وقال في شأن الأحزاب: (إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا. هنا لك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا) .

وهكذا هذا العام. جاء العدو من ناحيتى علو الشأم، وهو شمال الفرات، وهو قبلى الفرات. فزاغت الأبصار زيغًا عظيمًا، وبلغت القلوب الحناجر، لعظم البلاء. لاسما لما استفاض الخبر بانصراف العسكر إلى مصر وتقرب العدو، وتوجهه إلى دمشق، وظن الناس بالله الظنونا.

هذا يظن أنه لا يقف قدامهم أحد من جند الشام، حتى يصطلموا أهل الشام. وهذا يظن أنهم لو وقفوا لكسروهم كسرة، وأحاطوا بهم إحاطة الهالة بالقمر. وهذا يظن أن أرض الشأم ما بقيت تسكن، ولا بقيت تكون تحت مملكة الإسلام.

وهذا يظن أنهم يأخذونها، ثم يذهبون إلى مصر فيستولون عليها، لا يقفه قدامهم أحد، فيحدث نفسه بالفرار إلى اليمن. ونحوها.

وهذا - إذا أحسن ظنه - قال: إنهم يملكونها العام، كما ملكوها عام هولا كو سنة سبع وخمسين. ثم قد يخرج العسكر من مصر فيستنقذها منهم، كما خرج ذلك العام وهذا ظن خيارهم.

وهذا يظن أن ما أخبره به أهل الآثار النبوية، وأهل التحديث والمبشرات أمانى كاذبة، وخرافات لاغية.

وهذا قد استولى عليه الرعب والفزع، حتى يمر الظن بفؤاده مر السحاب، ليس له عقل يتفهم، ولا لسان يتكلم.

وهذا قد تعارضت عنده الإمارات، وتقابلت عنده الإرادات، لاسيما وهو لا يفرق من المبشرات بين الصادق والكاذب ولا يميز في التحديث بين المخطئ والصائب. ولا يعرف النصوص الأثرية معرفة العلماء، بل إما أن يكون جاهلًا بها وقد سمعها سماع العبر، ثم قد لا يتفطن لوجوده دلالتها الخفية. ولا يهتدى لدفع ما يتخيل أنه معارض لها في بادئ الرؤية.

فلذلك استولت الحيرة على من كان متسمًا بالاهتداء، وتراجمت به الآراء تراجم الصبيان بالحصباء. هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا. ابتلاهم الله بهذا الابتلاء، الذى يكفر به خطيئاتهم، ويرفع به درجاتهم، وزلزلوا بما يحصل لهم من الرجفات، ما استوجبوا به أعلى الدرجات.

قال الله تعالى: (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا) .

وهكذا قالوا في هذه الفتنة فيما وعدهم أهل الوراثة النبوية، والخلافة الرسالية وحزب الله المحدثون عنه حتى حصل لهؤلاء التأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم. كما قال الله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) . فأما المنافقون فقد مضى التنبيه عليهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت