والجنة اسم للدار التى حوت كل نعيم. أعلاه النظر إلى الله، إلى مادون ذلك مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، مما قد نعرفه وقد لا نعرفه. كما قال الله تعالى فيم رواه عن رسوله صلى الله عليه وسلم (أعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) .
فقد تبين بعض أسباب افتتاح هذه السورة بهذا.
ثم إنه تعالى قال: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرًا) .
وكان مختصر القصة:-
أن المسلمين تحزب عليهم عامة المشركين الذين حولهم، وجاءوا بجموعهم إلى المدينة ليستأصلوا المؤمنين.
فاجتمعت قريش وحلفاؤها من بنى أسد، وأشجع، وفزارة، وغيرهم من قبائل نجد واجتمعت أيضًا اليهود من قريظة، والنضير، فإن بنى النضير كان النبى صلى الله عليه وسلم قد أجلاهم قبل ذلك، كما ذكره الله تعالى في سورة الحشر، فجاءوا في الأحزاب إلى قريظة، وهم معاهدون للنبى صلى الله عليه وسلم، ومجاورون له، قريبًا من المدينة. فلم يزالوا حتى نقضت قريظة العهد، ودخلوا في الأحزاب، فاجتمعت هذه الأحزاب العظيمة، وهم بقدر المسلمين مرات متعددة، فرفع النبى صلى الله عليه وسلم الذرية من النساء والصبيان في آطام المدينة، وهى مثل الجو اسق، ولم ينقلهم إلى مواضع أخر، وجعل ظهرهم إلى سلع - وهو الجبل القريب من المدينة، من ناحية الغرب والشام - وجعل بينه وبين العدو خندقًا. والعدو قد أحاط بهم من العالية والسافلة. وكان عدوًا شديد العداوة، لو تمكن من المؤمنين لكانت نكايته فيهم أعظم النكايات.
وفى هذه الحادثة تحزب هذا العدو من مغل وغيرهم من أنواع الترك، ومن فرس ومستعربة، ونحوهم من أجناس المرقدة، ومن نصارى من الأرمن وغيرهم، ونزل هذا العدو بجانب ديار المسلمين، وهو بين الإقدام والأحجام، مع قلة من بإزائهم من المسلمين ومقصودهم الاستيلاء على الدار، واصطلام أهلها. كما نزل أولئك بنواحى المدينة بإزاء المسلمين.
ودام الحصار على المسلمين عام الخندق - على ما قيل - بضعًا وعشرين ليلة، وقيل: عشرين ليلة.
وهذا العدو عبر الفرات سابع عشر من ربيع الآخر، وكان أول انصرافه راجعًا عن حلب لما رجع مقدمهم الكبير قازان بمن معه، يوم الاثنين حادى، أو ثانى عشر جمادى الأولى، يوم دخل العسكر، عسكر المسلمين إلى مصر المحروسة، واجتمع بهم الداعى، وخاطبهم في هذه القضية. وكان الله سبحانه وتعالى لما ألقى قى قلوب المؤمنين ما ألقى من الاهتمام والعزم: ألقى في قلوب عدوهم الروع والانصراف.
وكان عام الخندق برد شديد وريح شديدة منكرة، بها صرف الله الأحزاب عن المدينة. كما قال تعالى: (فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها) .
وهكذا هذا العام أكثر الله فيه الثلج والمطر والبرد، على خلاف أكثر العادات حتى كره أكثر الناس ذلك. وكنا نقول لهم: لا تكرهوا ذلك: فإن لله فيه حكمة ورحمة.