فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 29

فإذا تبين بعض معنى المؤمن والمنافق. فإذا قرأ الإنسان سورة الأحزاب. وعرف من المنقولات في الحديث، والتفسير، والفقه، والمغازى كيف كانت صفة الواقعة التى نزل بها القرآن. ثم اعتبر هذه الحادثة بتلك: وجد مصداق ما ذكرنا. وأن الناس انقسموا في هذه الحادثة إلى الأقسام الثلاثة. كما انقسموا في تلك. وتبين له كثير من المتشابهات.

افتتح الله السورة بقوله: (يا أيها النبى اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين) وذكر في أثنائها قوله: (وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلًا كبيرًا. ولا تطع الكافرين والمنافقين) ثم قال: (واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرًا، وتوكل على الله وكفى بالله وكيلًا) .

فأمره باتباع ما أوحى إليه من الكتاب والحكمة - التى هى سنته - وبأن يتوكل على الله.

فبالأولى تحقق قوله: (إياك نعبد) .

وبالثانية قوله: (وإياك نستعين) .

ومثل ذلك قوله: (فاعبده وتوكل عليه) ، وقوله: (عليه توكلت وإليه أنيب) .

وهذا وإن كان مأمورًا به في جميع الدين. فإن ذلك في الجهاد أوكد. لأنه يحتاج إلى أن يجاهد الكفار والمنافقين. وذلك لا يتم إلا بتأييد قوى من الله. ولهذا كان الجهاد سنام العمل وانتظم سنام جميع الأحوال الشريفة.

ففيه سنام المحبة ن كما في قوله: (فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه أذله على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومه لائم) .

وفيه سنام التوكل وسنام الصبر. فإن المجاهد أحوج الناس إلى الصبر والتوكل ولهذا قال تعالى: (والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون) ، وقال تعالى: (قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين) .

ولهذا كان الصبر واليقين - الذين هما أصل التوكل - يوجبان الإمامة في الدين، كما دل عليه قوله تعالى: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) .

ولهذا كان الجهاد موجبًا للهداية التى هى محيطة بأبواب العلم. كما دل عليه قوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) .

وفى الجهاد أيضًا: حقيقة الزهد في الحياة الدنيا، وفى الدار الدنيا.

وفيه أيضًا: حقيقة الإخلاص. فإن الكلام فيمن جاهد في سبيل الله، لا في سبيل الرياسة، ولا في سبيل المال ولا في سبيل الحمية، وهذا لا يكون إلا لمن قاتل ليكون الدين كله لله، ولتكون كلمة الله هى العليا.

وأعظم مراتب الإخلاص: تسليم النفس والمال للمعبود، كما قال تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت