فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 29

وتارة يقولون: أنتم الذين أشرتم علينا بالمقام هنا، والثبات بهذا الثغر إلي هذا الوقت، وإلا فلو كنا سافرنا قبل هذا لما اصابنا هذا.

وتارة يقولون - أنتم مع قلتكم وضعفكم - تريدون أن تكسروا العدو، وقد غركم دينكم، كما قال تعالى: (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم، ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم) .

وتارة يقولون: أنتم مجانين، لا عقل لكم، تريدون أن تهلكوا أنفسكم والناس معكم.

وتارة يقولون: أنواعًا من الكلام المؤذى الشديد، وهم مع ذلك اشحة على الخير، أى حراص على الغنيمة والمال الذى قد حصل لكم.

قال قتادة: إن كان وقت قسمة الغنيمة، بسطوا ألسنتهم فيكم، يقولون: أعطوا، فلستم بأحق بها منا، فأما عند البأس فأجبن قوم وأخذل لهم للحق، وأما عند الغنيمة فأشح قوم.

وقيل: أشحة على الخير، أى بخلاء به، لا ينفعون، لا بأنفسهم ولا بأموالهم.

وأصل الشح: شدة الحرص الذى يتولد عنه البخل والظلم من منع الحق، وأخذ الباطل، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم:"إياكم والشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا".

فهؤلاء أشحاء على إخوانهم، أى بخلاء عليهم، وأشحاء على الخير أى حراص عليه، فلا ينفقونه، كما قال: (وإنه لحب الخير لشديد) .

ثم قال تعالى: (يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلًا) .

فوصفهم بثلاثة أوصاف:

أحدها: أنهم لفرط خوفهم يحسبون الأحزاب لم ينصرفوا عن البلد، وهذه حال الجبان الذى في قلبه مرض، فإن قلبه يبادر إلي تصديق الخبر المخوف، وتكذيب خبر الأمن.

الوصف الثانى: أن الأحزاب إذا جاءوا تمنوا أن لا يكونوا بينكم، بل يكونون في البادية بين الأعراب، يسألون عن أنبائكم: إيش خبر المدينة؟ وأيش جرى للناس؟.

والوصف الثالث: أن الأحزاب إذا أتوا، وهم فيكم، لم يقاتلوا إلا قليلًا.

وهذه الصفات الثلاث منطبقة على كثير من الناس في هذه الغزوة، كما يعرفونه من أنفسهم، ويعرفه منهم من خبرهم.

ثم قال تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا)

فأخبر سبحانه أن الذين يبتلون بالعدو، كما ابتلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلهم فيه اسوة حسنة حيث أصابهم مثل ما أصابه فليتأسوا به في التوكل والصبر، ولا يظنون أن هذه نقم لصاحبها، وإهانة له، فإنه لو كان كذلك ما أبتلى بها خير الخلائق، بل بها ينال الدرجات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت