فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 29

ومن هذا الباب: الإعراض عن الجهاد. فإنه من خصال المنافقين قال النبى صلى الله عليه وسلم (من مات ولم يغزو ولم يحدث نفسه بالغزو على شعبة من نفاق) رواه مسلم.

وقد أنزل الله سورة براءة التى تسمى الفاضحة، لأنها فضحت المنافقين. أخرجاه في الصحيحين عن ابن عباس قال (هى الفاضحة مازالت تنزل(ومنهم، ومنهم) حتى ظنوا أن لا يبقى أحد إلا ذكر فيها).

وعن المقداد بن الأسود قال: (هى سورة البحوث. لأنها بحثت عن سرائر المنافقين) .

وعن قتادة قال: (هى المثيرة لأنها أثارت مخازى المنافقين) .

وعن ابن عباس قال: (هى المبعثرة) والبعثرة والإثارة متقاربان.

وعن ابن عمر (أنها المقشقشة) لأنها تبرئ من مرض النفاق يقال: تقشقش المريض إذا برأ.

وقال الأصمعى: وكان يقال لسورتى الإخلاص: المقشقشتان. لأنهما يبرئان من النفاق.

وهذه السورة نزلت في آخر مغازى النبى صلى الله عليه وسلم: غزوة تبوك، عام تسع من الهجرة. وقد عز الإسلام، وظهر، فكشف الله فيها أحوال المنافقين ووصفهم فيها بالجبن وترك الجهاد، ووصفهم بالبخل عن النفقة في سبيل الله، والشح على المال. وهذان داءان عظيمان: الجبن والبخل.

قال النبى صلى الله عليه وسلم: (شر ما في المرء شح هالع، وجبن خالع) حديث صحيح، ولهذا قد يكونان من الكبائر الموجبة للنار. كما دل عليه قوله تعالى: (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة) ، وقال تعالى: (ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير) .

وأما وصفهم بالجبن والفزع، فقال تعالى: (ويحلفون بالله إنهم لمنكم وماهم منكم ولكنهم قوم يفرقون لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلًا لولوا إليه وهم يجمحون) .

فأخبر سبحانه أنهم، وإن حلفوا أنهم من المؤمنين، فما هم منهم، ولكن يفزعون من العدو، فلو يجدون ملجأ يلجأون إليه من المعاقل والحصون التى يفر إليها من يترك الجهاد، أو منارات - وهى جميع مغارة، ومغارات، سميت بذلك لأن الداخل يغور فيها، أى يستتر كما يغور الماء.

أو مدخلًا، وهو الذى يتكلف الدخول إليه، إما لضيق بابه، أو لغير ذلك. أى مكانًا يدخلون إليه. ولو كان الدخول بكلفة ومشقة، لولوا عن الجهاد إليه، وهم يجمحون. أى يسرعون إسراعًا لا يردهم شىء، كالفرس الجموح الذى إذا حمل لا يرده اللجام.

وهذا وصف منطبق على أقوام كثيرين في حادثتنا، فيما قبلها من الحوادث، وبعدها.

وكذلك قال في سورة محمد صلى الله عليه وسلم (إذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشى عليه من الموت فأولى لهم) أى فبعدًا لهم (طاعة وقول معروف. فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرًا لهم) ، وقال تعالى: (إنما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت