-وقسمًا منافقين، وهم الذين آمنوا ظاهرًا، ولا باطنًا.
ولهذا افتتح سورة البقرة بأربع آيات في صفة المؤمنين وآيتين في صفة الكافرين وثلاث عشر آية في صفة المنافقين.
وكل واحد من الإيمان والكفر والنفاق له دعائم وشعب، كما دلت عليه دلائل الكتاب والسنة، وكما فسره أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه في الحديث المأثور عنه في الإيمان ودعائمه وشعبه.
فمن النفاق ما هو أكبر يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار، كنفاق عبد الله ابن أبى وغيره بأن يظهر تكذيب الرسول أو جحود بعض ما جاء به أو بغضه أو عدم اعتقاد وجوب اتباعه، أو المسرة بانخفاض دينه، أو المساءة بظهور دينه، ونحو ذلك: مما لا يكون صاحبه إلا عدوًا لله ورسوله.
وهذا القدر كان موجودًا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومازال بعده بل هو بعده أكثر منه على عهده، لكون موجبات الإيمان على عهده أقوى. فإذا كانت مع قوتها كان النفاق موجودًا فوجوده فيما دون ذلك أولى.
وكما أنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم بعض المنافقين، ولا يعلم بعضهم، كما بينه قوله: (وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردو على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم) .
كذلك خلفاؤه بعده، وورثته قد يعلمون بعض المنافقين ولا يعلمون بعضهم. وفى المنتسبين إلى الإسلام من عامة الطوائف منافقون كثيرون، في الخاصة والعامة. ويسمون الزنادقة.
وقد اختلف العلماء في قبول توبتهم في الظاهر، لكون ذلك لا يعلم، إذ هم دائمًا يظهرون الإسلام.
وهؤلاء يكثرون في المتفلسفة من المنجمين ونحوهم، ثم في الأطباء، ثم في الكتاب أقل من ذلك.
ويوجد في المتصوفة والمتفقهة، وفى المقاتلة والأمراء، وفى العامة أيضًا.
ولكن يوجدون كثيرًا في نحل أهل البدع، لاسيما الرافضة. ففيهم من الزنادقة والمنافقين ما ليس في أحد من أهل النحل. ولهذا كانت الخرمية والباطنية والقرامطة والإسماعيلية والنصيرية ونحوهم من المنافقين والزنادقة منتسبة إلى الرافضة.
وهؤلاء المنافقون في هذه الأوقات لكثير منهم ميل إلى دولة هؤلاء التتار لكونهم لا يلزمونهم شريعة الإسلام، بل يتركونهم وما هم عليه.
وبعضهم إنما ينفرون عن التتار لفساد سيرتهم في الدنيا، واستيلائهم على الأموال واجترائهم على الدماء والسبى، لا لأجل الدين. فهذا ضرب النفاق الأكبر.
وأما النفاق الأصغر: فهو النفاق في الأعمال ونحوها، مثل أن يكذب إذا حدث ويخلف إذا وعد، ويخون إذا ائتمن، أو يفجر إذا خاصم. ففى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان) وفى رواية صحيحة (وإن صلى، وصام، وزعم أنه مسلم) .
وفى الصحيحين عن عبد الله بن عمرو عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف. وإذا عاهد غدر. وإذا خاصم فجر) .