فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 29

وقال فيها: (ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الامر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين) .

وقال فيها: (أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قاتم أنى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شىء قدير) .

وكان الشيطان قد نفق في الناس أن محمدًا قد قتل. فمنهم من تزلزل لذلك، فهرب ومنهم من ثبت، فقاتل، فقال الله تعالى: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا وسيجزى الله الشاكرين) .

وكان هذا مثل حال المسلمين لما انكسروا في العام الماضى، وكانت هزيمة المسلمين في العام الماضى بذنوب ظاهرة، وخطايا واضحة، من فساد النيات والفخر والخيلاء، والظلم، والفواحش والإعراض عن حكم الكتاب والسنة، وعن المحافظة على فرائض الله، والبغى على كثير من المسلمين الذين بأرض الجزيرة والروم.

وكان عدوهم في أول الأمر راضيًا منهم بالموادعة والمسالمة، شارعًا في الدخول في الإسلام، وكان مبتدئًا في الإيمان والأمان، وكانوا هم قد أعرضوا عن كثير من أحكام الإيمان.

فكان من حكمة الله ورحمته بالمؤمنين أن ابتلاهم بما ابتلاهم به ليمحص الله الذين آمنوا وينيبوا إلى ربهم، وليظهر من عدوهم ما ظهر من البغى والمكر والنكث، والخروج عن شرائع الإسلام، فيقوم بهم ما يستوجبون به النصر، وبعدوهم ما يستوجب به الانتقام.

فقد كان في نفوس كثير من مقاتلة المسلمون ورعيتهم من الشر الكبير ما لو يقترن به ظفر بعدوهم - الذى هو على الحال المذكورة - لأوجب لهم ذلك من فساد الدين والدنيا مالا يوصف.

كما أن نصر الله المسلمين يوم بدر كان رحمة ونعمة، وهزيمتهم يوم أحد كان نعمة ورحمه على المؤمنين. فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقضى الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرًا له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء فشكر الله كان خيرًا له. وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرًا له) .

فلما كانت حادثة المسلمين عام أول شبيهه بأحد، وكان بعد أحد بأكثر من سنة - وقيل بسنتين - قد ابتلى المسلمين بغزوة الخندق، كذلك في هذا العام ابتلى المؤمنون بعدوهم، كنحو ما ابتلى المسلمون مع النبى صلى الله عليه وسلم عام الخندق، وهى غزوة الأحزاب التى أنزل الله فيها سورة الأحزاب، وهى سورة تضمنت ذكر هذه الغزاة التى نصر الله فيها عبده صلى الله عليه وسلم، وأعز فيها جنده المؤمنين، وهزم الأحزاب الذين تحزبوا عليه وحده، بغير قتال، بل بثبات المؤمنين بإزاء عدوهم.

ذكر فيها خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحقوقه، وحرمته وحرمة أهل بيته، لما كان هو القلب الذى نصره الله فيها بغير قتال. كما كان ذلك في غزوتنا هذه سواء. وظهر فيها سر تأييد الدين، كما ظهر في غزوة الخندق، وانقسم الناس فيها كانقسامهم عام الخندق.

وذلك أن الله تعالى منذ بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم وأعزه بالهجرة والنصرة صار الناس ثلاثة أقسام:-

-قسمًا مؤمنين، وهم الذين آمنوا به ظاهرًا وباطنًا.

-وقسمًا كفارًا، وهم الذين أظهروا الكفر به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت