التى كانت تكتمها الضمائر، وتبين أن البهرج من الأقوال والأعمال يخون صاحبه أحوج ما كان إليه في المآل. وذم سادته وكبراءه من أطاعهم فأضلوه السبيل.
كما حمد ربه من صدق في إيمانه فاتخذ مع الرسول سبيلا، وبأن صدق ما جاءت به الآثار النبوية من الأخبار بما يكون، وواطأتها قلوب الذين هم في هذه الأمة محدثون. كما تواطأت عليه المبشرات التى أريها المؤمنون، وتبين فيها الطائفة المنصورة الظاهرة على الدين، الذين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم إلى يوم القيامة.
حيث تحزب الناس ثلاثة أحزاب: حزب مجتهد في نصر الدين، وآخر خاذل له، وآخر خارج عن شريعة الإسلام. وانقسم الناس ما بين مأجور ومعذور، وآخر قد غره بالله الغرور، وكان هذا الامتحان تمييزًا من الله وتقسيمًا، ليجزى الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورًا رحيمًا.
ووجه الاعتبار في هذه الحادثة العظيمة: أن الله بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وشرع له الجهاد إباحة له أولًا، ثم إيجابًا له ثانيًا، لما هاجر إلى المدينة، وصار له فيها أنصار ينصرون الله ورسوله، فغزا بنفسه صلى الله عليه وسلم مدة مقامه بدار الهجرة، وهو نحو عشر سنين: بضعًا وعشرين غزوة. أولها بدر وآخرها تبوك. أنزل الله في أول مغازية سورة الأنفال؛ وفى آخرها سورة براءة وجمع بينهما في المصحف لتشابه أول الأمر وآخره. كما قال أمير المؤمنين عثمان - لما سئل عن القرآن بين السوريتين من غير فصل بالبسملة.
وكان القتال منها في تسع غزوات.
فأول غزوات القتال: بدر، وآخرها حنين: والطائف. وأنزل الله فيها ملائكته كما أخبر به القرآن، ولهذا صار الناس يجمعون بينهما في القول، وإن تباعد ما بين الغزوتين مكانًا وزمانًا.
فإن بدرًا كانت في رمضان، في السنة الثانية من الهجرة، ما بين المدينة ومكة، شامى مكة، وغزوة حنين في آخر شوال من السنة الثامنة، وحنين واد قريب من الطائف، شرقى مكة. ثم قسم النبى صلى الله عليه وسلم غنائمها بالجعرانة واعتمر عمرة الجعرانة.
ثم حاصر الطائف فلم يقاتله أهل الطائف زحفًا وصفوفًا وإنما قاتلوه من وراء جدار فآخر غزوة كان فيها القتال زحفًا واصطفافًا: هى غزوة حنين.
وكانت غزوة بدر أول غزوة ظهر فيها المسلمون على صناديد الكفار، وقتل الله وأسر رءوسهم، مع قلة المسلمين وضعفهم، فإنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، ليس معهم إلا فرسان، وكان يعتقب الاثنان والثلاثة على البعير الواحد، وكان عدوهم بقدرهم أكثر من ثلاث مرات، في قوة وعدة وهيئة وخيلاء.
فلما كان من العام المقبل غزا الكفار المدينة، وفيها النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فخرج إليهم النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه في نحو من ربع الكفار، وتركوا عيالهم بالمدينة , لم ينقلوهم إلى موضع آخر. وكانت أولًا الكرة للمسلمين عليهم، ثم صارت للكفار، فانهزم عامة عسكر المسلمين إلا نفرًا قليلًا حول النبى صلى الله عليه وسلم، منهم من قتل، ومنهم من جرح، وحرصوا على قتل النبى صلى الله عليه وسلم، حتى كسروا رباعيته، وشجوا جبينه، وهشموا البيضة على رأسه، وأنزل الله فيها نحوًا من شطر سورة آل عمران، من قوله: (وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال) . قال فيها: (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم) .