ما كان حديثًا يفترى أى أى هذه القصص المذكورة في الكتاب ليست بمنزلة ما يفترى من القصص المكذوبة كنحو ما يذر في الحروب، وفى السيرة المكذوبة.
وقال تعالى، لماذا قصه فرعون: (فأخذه الله نكال الآخر والأولى. إن في ذلك لعبرة لمن يخشى) .
وقال في سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مع أعدائه ببدر وغيرها (قد كان لكم آية في فئتين التقتا: فئه تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار) .
وقال تعالى في محاصرته لبنى النضير (هو الذى أخرج كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم ما نعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخرجون بيوتهم بأيديهم وأيدى المؤمنين. فاعتبروا يا أولى الأبصار) .
فأمرنا أن نعتبر بأحوال المتقدمين علينا من هذه الأمة، وممن قبلها من الأمم. وذكر في غير موضع: أن سنته في ذلك مطردة، وعادته مستمرة.
فقال تعالى: (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلًا. ملعونين أينما ثقفوا أخذوه وقتلوا تقتيلا سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا) .
وقال تعالى: (ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليًا ولا نصيرًا سنة الله التى قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا) .
وأخبر سبحانه أن دأب الكافرين من المستأخرين كدأب الكافرين من المستقدمين.
فينبغى للعقلاء أن يعتبروا بسنة الله وأيامه في عباده. ودأب الأمم وعاداتهم، ولا سيما في مثل هذه الحادثة العظيمة التى طبق الخافقين خبرها، واستطار في جميع ديار الإسلام شرها، وأطلع فيها النفاق ناصية رأسه، وكشر فيها الكفر عن أنيابه وأضراسه، وكاد فيه عمود الكتاب أن يجتث ويخترم، وجعل الإيمان أن ينقطع ويصطلم، وعقر دار المؤمنين أن يحل بها البوار، وأن يزول هذا الدين باستيلاء الفجرة التتار. وظن المنافقون والذين في قلوبهم مرض أن ما وعدهم الله ورسوله إلا غرورا وأن لن ينقلب حزب الله ورسوله إلى أهليهم أبدًا وزين ذلك في قلوبهم وظنوا ظن السوء وكانوا قومًا بورًا. ونزلت فتنة وتركت الحليم فيها حيران، وأنزلت الرجل الصاحى منزله السكران. وتركت الرجل اللبيب لكثرة الوسواس ليس بالنائم ولا اليقظان، وتناكرت فيها قلوب المعارف والإخوان، وحتى بقى للرجل بنفسه شغل عن أن يغيث اللهفان. وميز الله فيها أهل البصائر والإيقان، من الذين في قلوبهم مرض أو نفاق وضعف إيمان ورفع بها أقوامًا إلى الدرجات العالية. كما خفض بها أقوامًا إلى المنازل الهاوية، وكفر بها عن آخرين أعمالهم الخاطئة، وحدث من أنواع البلوى ما جعلها قيامه مختصره من القيامة الكبرى.
فإن الناس تفرقوا فيها ما بين شقى وسعيد، كما يتفرقون كذلك في اليوم الموعود. وفر الرجل فيها من أخيه أمه وأبيه، إذ كان لكل امرئ منهم شأن يغنيه، وكان من الناس من أقصى همته النجاة بنفسه، لا يطوى على ماله ولا ولده ولا عرسه. كما أن منهم من فيه قوة على تخليص الأهل والمال، وآخر فيه زيادة معونة لمن هو منه ببال. وآخر منزلته منزلة الشفيع المطاع. وهم درجات عند الله في المنفعة والدفاع، ولم تنفع المنفعة الخالصة من الشكوى إلا الإيمان والعمل الصالح، والبر والتقوى، وبليت فيها السرائر، وظهرت الخبايا