الظاهرة الطريفة ضمن هذا الموضوع .. أن بعض الرؤى المحلية لم تعد تكفي للاستمتاع بما يمكن أن يخبئه لنا عالم الغيب مما لم نحققه في عالم الشهادة، فظهرت ظاهرة الرؤى المستوردة ولا سيما من الجزيرة (ومن بعض أوساط الصحوة الإسلامية في الخارج) . فإذا كان السبب حسب رأي البعض هو كثرة المنامات ليلًا وقلة العمل نهارًاَ فلا عجب إذن أن ترتفع نسبتها هناك، وفي بعض بلاد المهجر .. حيث الاحتلال الصليبي والكفر الحكومي والظلم والقهر في السجون. وعلى اعتبار أننا ولله الحمد من قبل المشرق فمن الطبيعي أن تتجه آمال وأحلام أهل المغرب إلينا هنا وهكذا ...
إلى هذا الحد والظاهرة طبيعية مفسرة ضمن المفهوم الشرعي للرؤى والأحلام (كما قال العلماء) إما رؤيا حق من الله تعالى، و إما حديث نفسٍ من رغبات الرائي، وإما رؤى شيطانية و العياذ بالله .. وبناءً على هذا يمكن فهم كثير من الرؤى، والمنامات هنا تحت البند الثاني .. والله أعلم، إلا أن الغريب والذي يدفع للتنبيه على عدة أمور هي ما يلي:
1_ أن كثيرا من هذه الرؤى بدأت تدفع أصحابها إلى الخمول و الإتكال، وإنتظار الفرج من تحقق منامات المشاهدين، وتأويلات هواة المؤولين حسب نظام ما يطلبه النائمون.
2_ إن البعض (وبينهم بعض الكبار والعاقلين) بدأ يميل لرسم خططه وتصرفاته بحسب تلك المنامات.
3 -إن البعض يريد إسقاط الرؤى والمنامات المتعلقة بأحداث وأشخاص أبناء الملاحم والفتن على بعض الناس مثل المهدي وغيره بحيث تتداول الآن روايات عن احتمال أكثر من مهدي في أكثر من مكان.
4_ المستوى الأغرب هو رغبة بعض أصحاب المنامات، وطلبهم من الجمهور تصديق، وإعتقاد فحوى آراء المؤولين، وهكذا مطالب بتصديق أحداث منام لم نشهده!! .. وأوهام لسنا نحن الحالمين بها!!
والذي أريد أن أذكر به إخواني، وأنصحه في ختام هذه المقالة الحالمة ما يلي:
أحد الأخوة يرى أميره يفتح القدس مع المجاهدين العرب والأفغان تعلوهم الرايات السود، وآخر يرى أميره يطير في السماء، وثالث يرى في جيبه الشيكات!!
1_قراءة فهم السلف لقضية الرؤى والأحلام وأنواعها ومواصفات الرؤى الصحيحة والتفريق بينها وبين حديث النفس. ناهيك عن رؤى الشياطين التي ليس بالضرورة أن تكون من قبيل الكوابيس المفزعة، وإنما قد يلقي الشيطان أوهامًا ونزغات ومفاهيم وإفتراضات. تجعل الرائي يتحرك في وحي فحواها أو يتخذ بسببها بالإيماء النفسي موقفًا من أحد أو من قضية. أو حتى يجعله الشيطان إن كان من هواة التخطيط للمستقبل في ضوء الرؤى والأحلام يتوجه توجهًا غير صحيح مما قد يُحدث له أو لمن حوله كوابيس مفزعة، ولكن في عالم الواقع والحقيقة.
2_ نصيحة إلى بعض هواة المؤولين الذين يستجرهم الشيطان من جهة وإستدراجات الحالمين من جهة أخرى إلى التشدق بما لا يعلمون. لا سيما وأن الرؤى جزء من عالم الوحي كما قدمنا وهو أمر مقدس يجب الحيطة معه وقد مر معنا غضب الإمام مالك بن أنس رحمه الله، وقوله لمثل هذه الظاهرة: (سبحان الله ما ظننت أن يعبث بالوحي) . ومن نفس المنطلق ننصح الإخوة أصحاب الرؤى والمنامات أن لا يقصدوا إلا الثقة المشهود لهم بالتأويل. علمًا أن من أوصافها كما هو مذكور في بعض الكتب ذات العلاقة .. معرفة القرآن والسنة وحفظ قسط كبير منها والإطلاع على علوم التأويل، وحسن الدين والتقوى والخشوع وصدق اللسان والكسب الحلال وسلامة الصدر وكثرة التنسك والعبادة إلى آخر ما ورد من الأوصاف المعهودة لمن شهد لهم بالتأويل. وألا يستدرجوا غير المؤهلين لأنهم سوف يضحكون عليهم ويكسبون الوزر والإثم مقابل ذلك، والله أعلم.
3_ أن الأصل في الرؤى المبشرة هو الإستئناس والبشرى من باب الأمل والأنس، وأما تحقق حصولها فهو بعد الحصول، أو ما دلت عليه الوقائع. ولا يجب التعامل معها لا سيما حينما تنبئ عن وقوع أشياء على سبيل الجزم، فضلا عن التخطيط على أساسها.
4_ يجب أن نتعامل مع الواقع والمستقبل في ضوء التكاليف الشرعية وخاصة فيما يتعلق بوجوب الإعداد في سبيل الله و وجوب دفع الصائل عن بلادنا وعن المسلمين. مثل قتال الكفار والمرتدين والمحاربين لدين الله مع كل ما يقتضيه الواجب الشرعي من الجد وعدم الركون (بسبب الأحلام والأماني) إلى الكسل والدعة والتواكل المذموم بدعوى التوكل.
5 -أن ما يتعلق بأحداث الملاحم والفتن وعلامات الساعة ولاسيما الأحداث الكبرى مثل خروج الرايات السود والمهدي والدجال ونزول المسيح عيسى بن مريم عليه السلام والأحداث الأخرى من قبيل ما ذكر مجملًا في إفتتاحية هذا العدد (مثلث البشائر) :
-يجب أن نتعامل معه من منظور الدليل الشرعي وما ثبت منه والإستئناس لضعيفه من خلال أصحاب الفهم في ترتيبه و حيثياته وما يعضده من روايات آخرى.
-يجب أن نتعامل معه من منظور الفهم الصحيح للواقع ولاسيما و أن هذه الأحداث المعينة إن صح ورودها ليست قضية يوم وليلة والله أعلم، بل في ثناياها ما يدل على حصول أحداث تقتضي مجموعها منطقًا وعقلًا سنوات كثيرة الله أعلم بطولها ووقت شروعها، ولا سيما أن بدايتها هي مقدمة قيام الساعة ...
-أن هذه النبوءات والبشائر لا تلغي الفرائض الشرعية من العمل والجهاد والإعداد ولوازم ذلك و توابعه من السعي في طلب علوم الشريعة و علوم السياسة والواقع والعلوم العسكرية والمادية اللازمة للاستخلاف في الأرض، وللجهاد في سبيل الله، فلا يجوز النظر إليها من منظور القعدة المعتزلين.
-بل على العكس فإن هذه الأحداث ولا سيما إنبعاث الرايات السود والمهدي ومن يصحب أهل الحق والظاهرين عليه في أخر الزمان يقتضي من أحدنا العمل على إعداد نفسه كي يتأهل لأن يكون في مستوى المستأهل لأن يكون في العاملين في ذاك الزمان.
-أننا أمام فرائض شرعية متحققة فعندما نقول الإعداد فرض عين، والجهاد فرض عين فهو على صريح معناه بمعنى إثم من لا يقوم بالفريضة ويبذل الوسع والطاقة ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.