الصفحة 45 من 75

أم

تمنيات وتخيلات وأوهام؟!

بقلم / عمر عبد الحكيم

(أبو مصعب السوري)

منذ زمن وأنا أحدث نفسي بالكتابة في ظاهرة غزت أوساط الصحوة الإسلامية وتسربت لتصبح ظاهرة ملحوظة في بعض الأوساط الجهادية، ألا وهي ظاهرة كثرة الرؤى والأحلام وكثرة المهتمين بها، وما تبع ذلك من كثرة المؤولين (الهواة طبعًا) ثم محاولة ربط تلك الرؤى والأحلام بما يجري في الواقع، والقفز إلى التخطيط للمستقبل على أساسها .... إلى آخر تفاعلات هذه الظاهرة التي تستوجب الوقوف عندها، والتنبيه على مترتباتها.

إبتداء أقول: إن من عقيدتنا الأخذ بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أن الرؤى جزء من عالم الوحي، وأنها من علامات آخر الزمان الذي أظلنا حيث توشك رؤيا المؤمن أن لا تخطىء، حيث قال - صلى الله عليه وسلم: (( إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا والرؤيا جزء من خمسة وأربعين جزءا من النبوة ) ) [1] ، مع علمنا بورود الآثار بإهتمام الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحبه الكرام بالرؤى والتأويل. وتأويله - صلى الله عليه وسلم -، وتأويل الصحابة رضوان الله عليهم بين يديه. ثم اشتهار بعضهم و بعض السلف بالتأويل .. إلى آخر ما هو معروف و معتقد لدينا ولله الحمد.

ولكن لفت نظري وأنا أعيش في منزل فيه مكتبة متوسطة الحجم نسبيًا نظرًا لقلة المكتبات والكتب في ظروفنا الحالية، لفت نظري أن يكون (كتاب تعطير الأنام في تعبير المنام) للشيخ النابلسي رحمه الله، وملحقه المنسوبة إلى الإمام ابن سيرين رحمه الله. أكثر الكتب تداولًا و إستعمالًا رغم أن المكتبة، تتوفر فيها ولله الحمد عدد كبير من كتب العلم الشرعي بأنواعها والعلوم السياسية والعسكرية والحركية والأمنية، وغير ذلك من الكتب التي تعاني من تصلب مفاصلها لقلة متناويلها، ولو نطقت لنادت لهفةً وغيرةً من طول عناق الأخوة لذلك المجلد المحظوظ: (يا عبد الله أما لنا فيك نصيب) ؟! حتى لقد خرج هذا الكتاب الموقر من رفوف المكتبة وصار جليسنا في صالة الجلوس والطعام على مر الساعات ومدار الليل والنهار، بحيث صار أحد أفراد المنزل تجده فوق الفرش وبجانب الوسائد أحيانًا ... وقرب سفرة الطعام وعلى جلسات الشاي. هذا في حال لم يشهد الجلسة بعض المؤولين (غير المرخصين) أو غير (المأذونين) وهذا نادر على كل حال. حيث يريحون صفحات الكتاب المسكين التي بدأت تعاني من إقتراب مفارقتها لجلد المجلد لكثرة التداول والبحث والدراسة ..

فهل ترى نحن أمام رؤى وأحلام؟ أما أمام خيالات وآمال وأوهام؟ وهل نحن أمام مؤولين على هدي كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ونور البصيرة المؤمنة أم أمام بعض الهواة العابثين بالوحي، كما قال الإمام مالك رحمه الله عندما سمع أن بعض الناس تأول من غير علمٍ وأهلية فقال رحمه الله: (( سبحان الله ما ظننت أن يعبث بالوحي ) )، متأولًا الحديث الآنف الذكر، فما القصة؟ ولماذا في أوساط الإعداد والجهاد و المجاهدين؟ وأحب أن أسجل على هذه الظاهرة الطريفة عدة ملاحظات:

أولًا: أني أعتقد كما مازحت بعض الإخوة عدة مرات. أن أكثر أصحاب المنامات (وأقول منامات حتى نفرق بينها وبين رؤى الحق) يرونها من قبيل العمل في الليل لقلة العمل والإنتاج في النهار!

ثانيًا: يلاحظ أن أغلب الرؤى منصرفة من بعض الإخوة لمن تعلق قلبه بحبهم، وتعلقت آماله بهم سواءً كان فردًا أو جماعة .. كما ذكر بعض الإخوة كثرة (منامات) المجاهدين العرب أيام الجهاد الأفغاني في (سياف) . وكيف أنه الخليفة القادم! وكيف أنه سيدخل المسجد الأقصى بالمجاهدين العرب والأفغان والرايات السود! في حين توزعت بعض (المنامات) على باقي قادة الجهاد الأفغاني كلًا بحسب (فتى أحلامه) .. فهذا يطير بلا محركات! و ثاني يقدم على حصان أبلق بثوب أخضر! .. وثالث يضع في جيبه الشيكات فيتسع لكل ما وضع فيه رغم صغر الجيب إلى آخر قصص العرض المتواصل ليليًا! وكما كانت في الماضي تتكرر القصة اليوم، فقد (تعددت المنامات والوهم واحدُ) .

ثالثا: يلاحظ أن معظم المنامات متعلق موضوعها برغبات الخلاص والفرج مما يعانيه الرائي من معاناة. فكم قتل رئيس دولة في المنامات! وكم فتحت بلاد وسقطت حصون!! وكم حرر من أسرى! وكم أقتص فيه من جلاد ظالم، وكم أطلق فيه من سجين ... إلخ، في حين تتعلق رؤى بعض العزاب بزواج قريب، وبعض المتأهلين في تعدد الزوجات، وبعض أصحاب الحاجات بصرّة مال تسقط من فتحة المدفأة وهكذا .. كلً بحسب حديث نفسه وآماله الصعبة التحقق نهارًا ويقظة .. فيحققها عبر فيلم ممتع دون تكلف ثمن التذكرة ..

رابعا: يلاحظ أن أكثر منامات هذا الوقت منصرفة إلى علامات الساعة و آخر الزمان و ما يجري فيه، وعلى اعتبار أننا في أفغانستان حيث تخرج الرايات السود، وحيث مظنة قرب خروج المهدي. فإن نسبة كبيرة من تلك الرؤى متعلق بهذا الموضوع. ونظرًا إلى أن بعض المنامات لا تأتي أحيانًا على حسب المقاس من الرغبات، عندها يتولى المؤول الهاوي إعادتها إلى هذا الموضوع، و ما أكثر ما سمعت من تأويلات عجيبة أذكر أن إحداها كانت عبارة عن سيارة واقفة في باب معسكر .. فسأل المؤول صاحب المنام: ما لون غطائها؟ قال: أسود. قال كيف كانت تقف؟ (فأتفق أنها على شكل الباب المتجه قدرًا للغرب) .. فقال المؤول: هي الرايات السود تخرج من المشرق! وبالطبع كبر بعض الحاضرين!! وباعتبار أن الأمة تعيش الأيام السود .. فلا غرابة أن تكون كل الرؤى بانتظار الرايات السود! وما أكثر التفاصيل طبعًا، فمع التهديدات الأمريكية تكثر الرؤى عن النوازل والضيق والحصار ... ومع المواقف الطيبة لبعض المجاهدين ورؤوسهم ترتفع معنويات المنامات، وهكذا ...

(1) رواه مسلم بهذا اللفظ (2263) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت