الصفحة 44 من 75

الصراع بين الحق والباطل سنة ربانية ماضية، ومشيئة إلهية باقية، ولكل حزب جنوده الذين قد تتشابه أسلحتهم، ولكن شتان بين جند الحق وجند الباطل، هيهات أن تختلط الرايات أو تشتبه الغايات لا لشيء إلا لتشابه الأسلحة، ويبقى السم سما والدسم دسما وإن تشابهت الأوعية، ويبقى علماء الرحمن و علماء السلطان واضحين لأولي البصائر والألباب وإن لم تر الخفافيش نور الحق والصواب، ومن هنا كانت هذه الزاوية التي نكتفي فيها بحكاية الوقائع ... دون تعليق ... !

علماء السلف و أبو جعفر المنصور [1]

روى الخطيب البغدادي بسنده عن حسن بن زيد قال: (( كان عبد الصمد واليا على المدينة، قال: فعاتب بعض القرشيين وحبسه حبسا ضيقا ... ، فقدم أبو جعفر حاجا فمر بالمدينة فدعاهم، فلما دخلوا عليه جعلوا يذكرون، وجعل ابن أبي ذئب يذكر شدة الحبس وضيقه وشدة عبد الصمد وما يلقون منه. قال الحسن بن زيد: فلما رأيت ذلك رأيت أن ألينه وخشيت على عبد الصمد من أبي جعفر أن يعجل عليه، فقلت يا أمير المؤمنين: أو يُرضي هذا أحد؟ قال ابن أبي ذئب: أما والله إن سألني عنك لأخبرنه، فقال أبو جعفر: وإني أسألك، فقال يا أمير المؤمنين، ولي علينا ففعل بنا وأطنب فيّ، فلما ملأني غيظا قلت: أفيُرضي هذا أحد يا أمير المؤمنين؟ سله عن نفسك، فقال أبو جعفر: فإني أسألك عن نفسي. قال: لا تسألني. فقال: أنشدك الله كيف تراني؟.قال: اللهم لا أعلمك إلا ظالما جائرا. قال: فقام إليه وفي يده عمود فجلس قربه، قال الحسن بن زيد: فجمعت إلي ثوبي مخافة أن يصيبني من دمه، فقلت: ألا تضرب العمود؟ فجعل يقول له: يا مجوسي أتقول هذا لخليفة الله في أرضه؟ وجعل يرددها عليه، وابن أبي ذئب يقول: نشدتني بالله يا عبد الله، إنك نشدتني بالله. قال: ولم ينله بسوء وتفرقوا على ذلك ) ).

(( وقدم ابن أبي أنعم [2] على أبي جعفر يشكو جور العمال، فأقام ببابه أشهرا ثم دخل عليه، فقال له أبو جعفر: ما أقدمك؟ قال جور العمال ببلدنا، فجئت لأعلمك فإذا الجور يخرج من دارك. وفي رواية أخرى، جاء فيها .. فقلت: رأيت يا أمير المؤمنين ظلما فاشيا وأعمالا سيئة، فظننت لبعد البلاد منك، فجعلت كلما دنوت منك كان أعظم للأمر، فنكس طويلا ثم رفع رأسه فقال: كيف لي بالرجال؟ قلت: أفلح عمر بن عبد العزيز، كان يقول:"الوالي بمنزلة السوق يجلب إليها ما ينفق فيها"، فأطرق طويلا، فقال لي الربيع - أومأ إلي - أن اخرج فخرجت وما عدت ) ).

علماء الخلف و الحكومة المصرية

بناء على تكليف من الحكومة المصرية. قام وزير الأوقاف بتشكيل لجنة من العلماء والدعاة فيهم شيخ الأزهر ومفتي الدولة من أجل إصدار بيان ضمن حملة مكافحة التطرف في مصر. فتشكلت اللجنة من كل من الموقعين على البيان الذي صدر في شهر 1/ 1989م. وقرأه على شاشة التلفزيون الشيخ محمد متولي الشعراوي، وجاء في البيان [3] :

(( إن الإصلاح الذي ينشده الإسلام للمجتمع في شؤونه كلها يعتمد على الإقناع والتربية والحوار العاقل، ويرفض رفضا حاسما اللجوء إلى العنف أو الإكراه أو استباحة حقوق الآخرين باسم الدين وقد وضعت الشريعة الغراء طرقا واضحة لتغيير العوج والانحراف، ليس منها الاتهام بالكفر، أو الطفرة في بلوغ الهدف( ... ) .

ونحن نعتقد في إيمان المسؤولين بمصر، بأنهم لا يردون على الله حكما ولا ينكرون للإسلام مبدأ، وإنهم يعملون على أن تبلغ الدعوة الإسلامية مداها، تحقيقا وتطبيقا. ولكن انتظار الظرف المناسب، هو الذي يدعو إلى التريث، ولذلك نوجه إلى جمهور الشباب أن يكون وقافا عند حدود الله وأن يبتعد عما يسيء إلى الإسلام، وأن يدرك أن التغيير الذي طالبت به الشريعة يكون على مراحل رتيبة ( ... ) لأن إباحة تغيير المنكر بغير ضوابط يؤدي إلى شيوع الفوضى في المجتمع ويضر بمصلحة الدين والوطن، ولأنه من الثابت شرعا أن تنفيذ الحدود إنما هو من حق الحاكم أو من ينيبه، ولم يحدث ولا في العهد النبوي، ولا في عهود الصحابة، ولا من جاء بعدهم أن نصبت جماعة نفسها لتنفيذ الحدود والأحكام بدون إذن الحاكم الشرعي، بل الثابت في كل العصور أن الذي يقوم بتنفيذ الحدود وتغيير المنكر باليد، هم أولياء الأمور وحدهم. ونحن على استعداد بوصفنا دعاة إلى الله أن نجلس مع كل من لديه شبهة أو فكر مخالف لكي نوضح له الحق ونرشده إلى الطريق القويم وثقتنا كبيرة في دولتنا أن تزداد حرصا على إحقاق الحق وإبطال الباطل، وتدعيم الفضائل والقيم الدينية والخلقية، لأن ذلك يؤدي إلى سعادة الفرد والجماعة.

توقيع:

-الشيخ محمد متولي الشعراوي.

-الشيخ محمد الغزالي.

-د. يوسف القرضاوي.

-الشيخ عبد الله المشد.

-الشيخ محمد زكي إبراهيم.

-د. عبد المنعم النمر.

-د. محمد الطيب النجار.

-الشيخ عطية صقر. )) أ. هـ

(1) مناهج العلماء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لفاروق عبد المجيد السامرائي.

(2) عبد الله بن زياد بن أنعم المعافري الأفريقي ت: 161هـ، عالم وقاض اشتهر بالجرأة على الملوك ولد ببرقة وهو أول مولود في الإسلام بأفريقيا، ونشأ بها ولي قضاء القيروان مرتين ثم رحل إلى بغداد، فاتصل بالمنصور العباسي قبل أن يلي الخلافة، وكان رفيق المنصور، فقد جمعهما الاشتغال بالعلم. ولما ولي المنصور الخلافة دعاه إليه فوعظه ابن أبي أنعم وحذره من ارتكاب المظالم، واستأذنه في العودة إلى القيروان.

(3) نقلا عن (كشف الزور والبهتان في حلف الكهنة والسلطان) نشرة رقم (4) جماعة الجهاد 1989 - بيشاور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت