الصفحة 39 من 75

الفجوة الفكرية المنهجية في التيار الجهادي الحالي

ثغرة خطيرة تحتاج إلى سد

بقلم / عمر عبد الحكيم

(أبو مصعب السوري)

الحمد لله وحده، أهل الحمد والثناء، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على أشرف الخلق محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبة وسلم، وبعد:

فقد مضى من عمر الصحوة الإسلامية المعاصرة نحو سبعة عقود من الزمن، منذ سقوط الخلافة العثمانية وإلى زمان سيطرة النظام العالمي الجديد، أي تقريبا منذ عام (1930) وإلى عام (2000) م.

ولقد مضى من عمر الصحوة الجهادية المنبثقة عن تلك الصحوة الإسلامية، نحو نصف هذه المدة، وتقريبا من بداية الستينات وإلى اليوم. ولقد كان لتلك الصحوة المباركة العامة على ما اعتراها من النقائص إنجازات عظيمة في محاولات النهضة التي تعيشها هذه الأمة في مواجهة الاستعمار اليهودي والصليبي وصنائعه المرتدة في بلادنا .. وكان من أهم إنجازاتها عودة الفهم الشمولي لهذا الدين، وظاهرة العودة للالتزام، وهزيمة تيار العلمنة في بلاد الإسلام، وكان من أعظم فضل الصحوة تلك، ولادة التيار والحركات الجهادية المسلحة من رحم تلك الصحوة.

ثم كان للصحوة الجهادية وتيارها العام الذي تمخضت عنه تنظيمات وجماعات ومبادرات فردية وجماعية، وإنجازات عظيمة في هذه العقود الأربعة المنصرمة.

إنجازات عظيمة في مجالات تأصيل الفكر والمنهج، ومجالات الدعوة والإصلاح، ومجالات السياسة والجهاد، ومجالات الإنجازات العسكرية في مواجهة الأعداء، كما كان لها إنجازات في مجال التربية وإعداد جيل من الدعاة والشهداء والمجاهدين، صار قدوة ملء سمع وبصر العدو والصديق ..

واليوم ونحن نستهل بداية القرن الواحد والعشرين للميلاد؛ آلت المواجهة لأن تكون بين تيار الصحوة الجهادية المسلحة والنظام العالمي الجديد، الذي وحد جهود صائل اليهود والصليبيين والمرتدين وصبغ المواجهة بصبغة العولمة، ودعمها بصائل كتيبة المنافقين من علماء السلاطين، بالإضافة إلى الناكصين على أعقابهم من رموز وقيادات الصحوة التي تشعبت مدارسها ومتاهاتها.

اليوم يبدو أن المرحلة الثالثة من مسار الصحوة الإسلامية المعاصرة قد بدأت بملامح وسمات جديدة.

فأما على صعيد مدارس الصحوة الإسلامية غير الجهادية فالمرحلة الجديدة هي مرحلة انتكاسة وتشتت، وتيه فكري، واندحار عملي، ونقض للغزل، ونكوص على الأعقاب، وارتداد عن الثوابت التاريخية للدعوة لدى أغلب تلك الاتجاهات، وليست هذه المقالة محل مناقشتها ..

وأما على صعيد الصحوة الجهادية فإننا نعتقد أن مرحلة جديدة في تاريخها قد بدأت، وهي التي يهمنا هنا أن نناقش بعض ما يهمها .. فقد بدأت تلك الصحوة الجهادية بانطلاق أفكارها الأساسية في مطلع الستينات (1960 - 1965) م، ثم مرحلة قيام التنظيمات الجهادية المسلحة في معظم بلاد العالم العربي وبعض بلدان العالم الإسلامي وكانت محاولا ت المواجهة تلك، أساسا مع المرتدين، ونهاية مع بعض أشكال التواجد اليهودي والصليبي وهي المرحلة الممتدة من (1965-2000) م.

حيث بدأت هذه الموجهة منذ بداية التسعينات، تأخذ شكل العالمية، ولا سيما في تجارب البوسنة والشيشان وانتهاءً بأفغانستان وبعض أعمال الإرهاب الفردية، إلى أن فرض النظام العالمي الجديد نظاما دوليا لمكافحة الإرهاب وتمكن من القضاء على معظم المحاولات التنظيمية والمواجهات القطرية، وحصر الصامدين فيها اليوم في بقاع محدودة حيث انتقل النظام العالمي على صعيد مكافحة الإرهاب إلى مرحلة حصار مابقي من تلك الصحوة وكوادرها خارج بلادها، ومكافحة واستئصال مابقي من جذورها في بلدانها الأصلية، ولاسيما في العالم العربي والإسلامي.

فإذا أردنا تقسيم الصحوة الجهادية من حيث السمت العام، رأينا أنها أنهت مرحلتها الأولى وهي ما يمكن وصفه بأنها (مرحلة التنظيمات السرية القطرية الهرمية المسلحة) وابتدرت مع نهاية التسعينات وبداية القرن الحادي والعشرين مرحلة يمكن وصفها بالمواجهة الشمولية العالمية، التي بدا أن من أهم ما يميزها المواجهات الجبهوية المفتوحة والمبادرات الإرهابية الفردية المحدودة.

وأما إذا أردنا تقسيمها من حيث الأجيال والمراحل فإننا نلاحظ أن الصحوة الجهادية قد مر منها جيلان، جيل الستينات والسبعينات (1960 - 1975) ثم جيل السبعينات والثمانينات (1975 -1990) والآن الجيل الجديد الذي لحق ويلحق بركب التيار الجهادي وجمهوره، وهم جيل أواخر التسعينات وبداية القرن الحالي (1990 -2001) .

فأما الجيل الأول فقد مضى معظمه وقضى رحمهم الله وجزاهم عنا ألف خير، وكان من أعلامهم أمثال سيد قطب وعبد القادر عودة والمودودي وسعيد حوى ومروان حديد ومن عاصر هذا الجيل، التي بدأت غريبة ثم امتدت واتسع وجودها فجاء رواد الجيل الثاني من رواد التنظيمات الجهادية والمبادرات الجهادية في النصف الثاني من السبعينات إلى آخر الثمانينات.

والمتصدي للبحث والدراسة في الماضي لهذا التيار المبارك، استكشافا للتجارب وبحثا عن نظريات التجديد والاستمرار، بغية التخطيط للمستقبل، يجد أمامه مادة ثرية جدا، ومواضيع تاريخية وسياسية وحركية، وفكرية ومنهجية كثيرة ومتعددة الجوانب، تستحق البحث والتسجيل والمداولة، وللأسف فإن البحث فيها ما يزال مهملا، بل ربما ممنوعا!

حيث نريد في هذه العجالة أن نركز عليه، وهو أمر التطوير المنهجي والفكري، والإنتاج الأدبي لتجربة هذا التيار الجهادي الرائد ومراحل ذلك.

وخلاصة ذلك أن الجيل الأول، جيل سيد قطب وعبد القادر عودة والمودودي، ومروان حديد وسعيد حوى، ومن عاصرهم -رحمهم الله- كانوا قد هضموا الإنتاج الفكري والمنهجي الهام لمراحل الصحوة المتقدمة، ثم صاغوا خلاصة بحثهم وإنتاجهم في دفعة فكرية ومنهجية تأسيسية هامة، كانت زاخرة العطاء، حيث ما زال التيار الجهادي يبني عليها ويدور في فلكها إلى الآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت