ولكن الشر الذي نتج عن هذه الفتنة كان أوسع بكثير مما يخطر على البال لأول وهلة.
فمن عادة الحس البشري أن يتبلد على أنواع المتاع التي يعتادها، فيبحث دائمًا عن الجديد.
وحين يكون الإنسان كما خلقه الله"في أحسن تقويم"يكون مشغولًا - إلى جانب المتاع الحسي - بقيم عليا تستنفد الطاقة الفائضة وتستعلي بها إلى آفاق رحبة، تغني نفسه عن طلب التنويع في متع الحس القريبة، وتجعله يقنع منها بالضرورات. أما حين ينسى قيمه العليا، ويستغرق في متاع الحس، ويوجه إليه همه كله أو جله، فإنه يصبح منهومًا لا يشبع، ويحتاج في الوقت نفسه إلى التنويع المستمر ليذهب عن نفسه ملال التكرار!
وحين هبط اليهود بالأمميين إلى هذا الدرك - أو في القليل عمقوا فيهم ما كانوا قد ورثوه من استعدادات - فقد أسرعوا يلبون"حاجتهم"إلى التنويع.. وهم الكاسبون دائمًا من وراء كل تنويع! وتحول المجتمع - على أيديهم - إلى ملهاة كبرى، إلى جانب تحوله إلى ماخور كبير.. فإلى جانب جنون"المودة" (جنون الأزياء) وجنون الزينة (التبرج) أوجدوا جنون السينما وجنون التليفزيون، وجنون الفيديو، وجنون الكرة، وجنون العري، ومسابقات الجمال.. ومئات أخرى من فنون اللهو العابث التي لا تليق بالبشر الأسوياء، ولا ينغمس فيها"إنسان"يعي حقيقة إنسانيته، ويدرك غاية الوجود البشري في الأرض.
وصحيح أن هؤلاء القوم يبذلون في ساعات العمل جهدًا جادًا لا هزل فيه، وينتجون إنتاجً ضخمًا بذلك الجهد، ولكن لا ينبغي أن يغيب عن بالنا أنه إنتاج مادي في معظمه، لا يقيم - وحده - حضارة، ولا يلبي - وحده - حاجات الإنسان الفطرية، المكون من جسد وعقل وروح، لكل منها متطلباتها، ولكل منها غذاؤها الذي يجب أن يقدم لها لتنمو وترتقي.
ولا يغيب عن بالنا كذلك أن المخططين الأشرار لا مصلحة لهم - حتى الآن - في تدمير ذلك الإنتاج، ولا تدمير الجهد الجاد الذي يبذل فيه، لأن جزءًا كبيرًا من