ولم يستجب الرجل الجاهلي لصراخ المرأة بطلب المساواة في الأجر، فانتدب أنْفُسَهم لها محامون يدافعون عن"قضية المرأة"من الكتاب والخطباء والصحفيين وغيرهم.. بعضهم حسن النية بلا شك، لا يرضى ضميره بالظلم، وبعضهم يصطاد في الماء العكر.. لأمر يراد.
ونصحت المرأة أن الظلم الواقع عليها سببه جهلها وجلوسها في بيتها، وخضوعها لقوامة الرجل، وعدم اشتغالها بالقضايا العامة، وعدم مشاركتها في أمور المجتمع.. فلا بد من إزالة هذه الأسباب كلها لرفع ذلك الظلم.
وتوسعت القضية وتعددت أبعادها.. وطولب لها - على التوالي - بحقها في التعليم، وحقها في وظائف الدولة، وحقها في الانتحاب، وحقها في الترشيح للبرلمان، وحقها في"الولاية"العامة.
ومن خلال التعليم - التعليم الجامعي بصفة خاصة - ولدت قضية الاحتلاط.
وسواء أكانت داخلة في التخطيط في أذهان المخططين من مبدأ الأمر أم جاءت في الطريق، فقد استغلها المخططون أسوأ استغلال ممكن، وجعلوها الأداة الكبرى لإفساد المجتمع كله من أيسر سبيل!
الإفساد هو المطلوب..
وقد تحول مجتمع الثورة الصناعية إلى طبقات ثلاث، بعد أن كان المجتمع الزراعي طبقتين اثنتين (1) - فكان هناك طبقة الرأسماليين (الطبقة الأرستقراطية) وطبقة العمال، وطبقة جديدة تولدت من الظروف الجديدة أطلق عليها اسم الطبقة الوسطى، تتكون أساسًا من أصحاب الحرف وخريجي المدارس والجامعات وموظفي الدولة، الذين لا تصل دخولهم أن ترفعهم إلى مستوى الأرستقراطية، ولا هم في الوقت ذاته من الفقراء الكادحين الذين يعملون بأيديهم.
وكان المطلوب هو إفساد الطبقات جميعًا، لإفساد المجتمع كله..
فأما الطبقة الرأسمالية - التي ورثت الإقطاع - فهي فاسدة بحكم الترف
(1) هما طبقة رجال الإقطاع (ومعها رجال الدين) وطبقة الشعب.