الصفحة 41 من 251

ولم يكن الاستعمار شيئًا عارضًا في حياة الجاهلية المعاصرة، ولا شيئًا خارجًا عن خطها الأصيل - كما يعتذر عنه الذين استعبدت أرواحهم للغرب، إنما كان وسيلة مشروعة عندها من وسائل القوة، موروثة - هي والنظر إليها على أنها أداة شرعية - من الجاهلية الإغريقية الرومانية التي كانت تجد لذتها في التوسع واستعباد الآخرين.

وبصرف النظر - مؤقتًا - عن الروح الصليبية التي كانت من أكبر دوافع الاستعمار الحديث (1) ، فإن الفظائع التي ارتكبت في هذا الاستعمار الوحشي، كانت مبررة تمامًا عند أصحابها، على أنها"حقّ"من حقوق الأقوياء الذين يسعون إلى تمكين قوتهم وترسيخها، و"عقاب مشروع"على جريمة المقاومة لهذا الحقّ المشروع!

ولو أن الساسة وحدهم هم الذين برّروا هذه الجرائم - أو في القليل غطُّوا عليها - أو لو أن العسكريين وحدهم هم الذين قاموا بذلك، لقلنا:"شنشنة نعرفها من أخزم"، كما قال العرب في أمثالهم، بمعنى أن الشيء من معدنه لا يُستغرب! ولكنا أذا راجعنا الكتّاب والأدباء والمفكرين والفلاسفة ودُعاة الحرية ودُعاة الإنسانية.. الخ.. الخ.. ونظرنا في الجهد الذي بذلوه لوقف المجازر الوحشية التي صاحبت ذلك الاستعمار - وقد كانوا يملكون وقفها لو جندوا أنفسهم لوقفها - لو نظرنا في ذلك الجهد لعرفنا كم مرّ الأمر سهلًا على"ضمير"أوربا.. وما يزال!

وقد استخدموا - بطبيعة الحال - وسائل نافعة، بل وسائل فاضلة في بعض الأحيان، لتحقيق القوة التي أرادوها.

استخدموا التعليم.

ووضعوا مناهج تعليمية مدروسة، بذلت في دراستها عناية ملحوظة، وجُرّبت، وأجريت الملاحظات عليها في أثناء التجربة، وعدّلت أخطاؤها، واستكمل نقصها، للوصول بها إلى أقصى طاقتها الإنتاجية. ورُوعي في هذه المناهج تخريج قوم عمليين، ومنتجين، ولديهم القدرة على الابتكار، والقدرة على الاختراع. عُوِّدُوا من صغرهم على القراءة والاطلاع، ورؤية الموضوع الواحد من أكثر من زاوية، وبأكثر من طريقة،

(1) سنتحدث عن الروح الصليبية فيما بعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت