فالقوم قد ورثُوا من كلتا الجاهليتين الإغريقية والرومانية إرادة الحياة الدنيا وزينتها، كما أشرنا من قبل، فقد قلنا إنهم ورثوا عن الجاهلية الإغريقية عبادة الجسد في صورة جمالٍ حسيٍّ، ومن الجاهلية الرومانية عبادة الجسد في صورة شهوات حسية، وتزيين الحياة الدنيا لزيادة الاستمتاع الحسيّ بها إلى أقصى الغاية، ومن ثم الاهتمام البالغ بالعمارة المادية للأرض..
وذلك كلّه شأن من كان يُريد الحياة الدنيا وزينتها:
(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ(1) ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) . [سورة آل عمران، الآية 14] .
وإذا كانت فترة الدين الكنسي المحرف قد نقلت أوربا - فترة من الزمن - من النقيض إلى النقيض: من الاستغراق في ملذات الحسّ، والفتنة بالحياة الدنيا، إلى الرهبانية، والزّهد في متاع الأرض كلّه، وإهمال الحياة الدنيا من أجل الآخرة (2) .. فقد نقلهم التمرّد على الدين والكنيسة مرة أخرى من النقيض إلى النقيض.. من الرهبانية والزّهد إلى الفتنة بملذات الحياة (3) .
عادوا - كا يصفون أنفسهم بحقّ - إغريقيين رومانيين!
ووضعوا لأنفسهم"منهج حياة"يُحقق لهم أهدافهم، مستفيدين بكلّ ما أمدّهم به التقدم العلمي والتكنولوجي الذي أحرزوه في أثناء الطريق.
أرادوا القوّة، فوضعوا لأنفسهم منهجًا يُحقّق لهم القوة في كلّ الميادين، وكان من بين أدواته الاستعمار، الذي ورثوا نزعته من الجاهليتين الإغريقية والرومانية.
(1) هذه الأمور مذكورة في الآية لا على سبيل الحصر، وقد جدّت بعد الخيل أشياء أخرى أشارت إليها سورة النحل في قوله تعالى: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ) . [سورة النحل: الآية 8] .
(2) لا ينفي هذا وجود أغنياء مترفين غارقين في المتاع.
(3) لا ينفي هذا وجود زاهدين في المتاع.