الدينية في التشريع، وإقامة التشريع على مبعدة من الدين - إن لم يكن على عداء صريح مع الدين - ويبدو ذلك واضحًا في تحليل الربا، وإباحة الفاحشة، وعدم اعتبارها جريمة ما دامت برضى الطرفين، بل التوسع في ذلك - حديثًا - إلى حدّ إباحة الفاحشة الشاذة وزنا المحارم.. إلى غير ذلك من ألوان التحدّي الصارخ لأوامر الله.
ويبرز معنى"الجاهلية"في هذه القضية من زاويتين اثنتين على الأقل.
الأولى: هي التمرّد على حقّ الله في التشريع، المترتب على كونه هو الخالق سبحانه، الذي خلق البشر، وخلق لهم طعامهم وشرابهم وكساءهم والهواء الذي يتنفسونه، وسخّر لهم ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه.. وهم لا يملكون شيئًا من ذلك كلّه بغير تمليك الله لهم إياه:
(أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) . [سورة الأعراف، الآية 54] .
أي أنه هو صاحب الأمر سبحانه بما أنه هو الخالق. والرزق ذاته هو من خلق الله سبحانه وتعالى:
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) . [سورة فاطر، الآية 3] .
الثانية: هي التمرّد على حكمة الله الحكيم الخبير، الذي خلق الإنسان ويعلم دخائله، ويعلم ما يُصلحه وما يَصلح له، ويُحيط بالزمن كله ماضيه وحاضره ومستقبله، ويعلم ما يمكن أن يُؤَدي إليه كل تشريع من التشريعات، لا في الحاضر وحده، ولكن في الزمن المقبل كله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. بينما علم الإنسان قاصر، وأشد علمه قصورًا - كما بيّن"الكسيس كاريل"في كتابه"الإنسان ذلك المجهول"- هو علمه بنفسه.
وكان من نتائج التشريع بغير ما أنزل الله في الجاهلية المعاصرة، أن انقسم الناس - كما يحدث في كلّ جاهليات التاريخ - إلى سادة وعبيد: سادة يملكون ويشرعون، وعبيد يقع على كاهلهم التشريع، كما هو الحال في كلّ من المعسكرين المتنازعين: المعسكر الرأسمالي، الذي يملك الرأسماليون ناصية الأمر فيه،