الصفحة 37 من 251

الفكري والفساد الخلقي لا يحصيها الحصر.. ونظرة سريعة إلى المجتمع الغربي - بعد إلحاده بالله، وإعطائه الشرعية للفساد الخلقي والفوضى الجنسية - كفيلة بأن ترينا كم كان لإنكار وجود الله، ونفي"الغائية"عن الخالق البديل، من نتائج خطيرة، ليس أقلّها انتشار الأمراض النفسية والعصبية والقلق والجنون والانتحار والخمر والمخدرات والجريمة..

إن الإنسان - بغير الإيمان بالله واليوم الآخر، والإيمان بأن هناك غاية من خلقه - لا بد أن يصل إلى العبثية التي عبر عنها شاعر جاهلي معاصر (1) .

جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت

ولقد أبصرت قدامي طريقًا فمشيت

وتنقلب الحياة بحثًا مجنونًا عن"المتاع"، يُؤدي في النهاية إلى الهبوط، ويُؤدي إلى الدمار.

وحكّمت الجاهلية المعاصرة عقلها في قضية التشريع.. بحُجة أن الإنسان قد شبّ عن الطّوق، ولم يعد في حاجة إلى وصاية الله. وبحجة أن الأمور قد تطوّرت، بينما التشريع السماوي جامد لا يتحرك، ولا يواكب التطور.

وقضية التشريع بالنسبة لأوربا قضية مركبة، تصبّ فيها اعتبارات كثيرة في وقت واحد.

فالواقع أن"العلمانية"بمعنى فصل الدين عن الدولة، والتشريع بغير ما أنزل الله، أمر عميق الجذور في التربة الأوربية، لم تعدّله حتى فترة الدين الكنسي المحرف، فقد كان من تحريفات ذلك الدين، التي ارتكبتها الكنيسة ضمن ما ارتكبته من التحريفات، فصل الدين عن الدولة، أو فصل العقيدة عن الشريعة، وتقديم الدّين عقيدة بلا شريعة، على أساس قول منسوب للسيد المسيح:"أدّ ما لقيصر لقيصر وما لله لله!".

أما العلمانية التي أبرزتها الجاهلية المعاصرة وأكدتها فهي إقصاء كل أثر للتعاليم

(1) هو الشاعر اللبناني المعاصر إيليا أبو ماضي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت