مبتدعة على ذات المستوى، وإن كانت أسبابها أعمق، وآثارها أخطر. فإذا كان الأثير خرافة قد ابتدعت لأسباب"علمية"، أي لتفسير أمور غامضة في هذا الكون لم يتوصل العلماء إليها بعد، فافترضوا فرضًا واتخذوه كأنه حقيقة.. فالطبيعة الخالقة خرافة قد ابتدعت لأسباب"دينية"! فقد كانت مهربًا وجدانيًّا - لا علميًّا - من إله الكنيسة الذي تستعبد الناس باسمه، وتسلب أموالهم، وتقلق راحتهم، وتتعقب أفكارهم، وتتدسس إلى داخل أرواحهم، إلى إله آخر له معظم خصائص الإله الأول: أبديّ أزليّ، خالق، قادر.. ولكن ليست له كنيسة، وليس له على البشر التزامات.. فعُبّاده أحرار لا يتقيدون تجاهه بشيء في أخلاقهم، ولا قيمهم، ولا سلوكهم! وإلى هنا يكون الأمر أقرب إلى الهزل منه إلى الجد.
أما أن تتحول هذه الخرافة المبتدعة لأسباب وجدانية إلى ما يُعتبر"حقيقة علمية"، هي التي تقبل من العلماء، وغيرها - الذي هو الحقّ - يُرفض منهم، فهذه هي العجيبة التي لا يُفسّرها شيء، ولا حتّى الفزع من سلطان الكنيسة المفزع.. فقد كانت الأسباب الرئيسية التي من أجلها رفضت العقلانية التجريبية أن تعترف بوجود الله، أو تعترف بهيمنته على الكون، هي أن الله"لا تُدرِكه الأبصار"، وأنه قضية"غيبية"لا تدخل في عالم الحس. فما الطبيعة الخالقة؟ هل تدركها الأبصار؟ أم إنها قضية غيبية لا تدخل في عالم الحسّ؟! إن الذي تدركه الأبصار هو الطبيعة المخلوقة لا الطبيعة الخالقة.. وهذه لا يختلف وضعها سواء آمنّا بالله الحقّ، أم آمنت الجاهلية بإلهها الزائف.. فأي شيء يمكن أن يُفسّر - فضلًا عن أن يُبرّر - الإيمان بالأسطورة في عهد العلم؟! وبأي حُجَّة يحتجّ عصر العلم على أساطير الكنيسة وخرافاتها"الدينية"، إذا وقع هذا العصر في أساطير"الإلحاد"وخرافاته؟
على أن القضية لا تقف في خطورتها عند هذا الحدّ، وهو خطير في ذاته، إنما تتعداه إلى آثاره الخطيرة في حياة البشرية. فما من"وهم"في تاريخ البشرية كان له من الآثار المدمرة مثل ما كان من آثار هذا الوهم الذي اعتنقته الجاهلية المعاصرة لتسند به إلحادها وتحللها وتفسخها.. فقد استندت إليه بادئ ذي بدءٍ لتواجه به طغيان الكنيسة، وتسند به تمرّدها على ذلك السلطان، فإذا به يهوي بها في مهاوٍ من الفساد