قضية الألوهية لا تخضع للتجربة المعملية، كان خطلًا ضخمًا هوى بالبشرية في حمأة الإلحاد، وما صاحبه من انتكاس القيم المعنوية كلّها إلى الحضيض. وخسرت البشرية من وراء هذا الانحراف أضعاف أضعاف ما كسبته من الخير الجزئي الذي حقق توجه العقلانية إل الحلول العملية لمشكلات الحياة الواقعية، والتقدم العلمي في شتى المجالات.
وحكّمت الجاهلية المعاصرة عقلها في قضية الخلق - بعد نفيها لوجود الله سبحانه وتعالى، أو في القليل نفي هيمنته وتدبيره لشئون الكون - فأدت بها عقلانيتها إلى أسطورة ضخمة ليس لها واقع علمي، هي"الطبيعة الخالقة"من ناحية، و"الخلق الذاتي"من ناحية أخرى.. وصارت هذه الأسطورة"علمًا"يتداوله"العلماء"بغير برهان علمي، في الوقت الذي يرفضون فيه ردّ الأمور إلى الله بحجة عدم وجود برهان علمي على وجوده أو تدبيره لشئون الخلق!
واعجب إن شئت لسريان هذه الأسطورة في عصر"العلم"! عجب أكثر من أن"العالم"إذا ذكر الله في البحث العلمي سقط من أعين"العلماء"! وصار مضغة في أفواههم يتندرون بجهله وسذاجته، وعدم علميته، وعدم موضوعيته، وتعلقه"بالغيبيات"، فإذا ذكر"الطبيعة"رفعوه بذكرها، وخروا لها ساجدين!! وصدق الله العظيم:
(وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) . [سورة الزمر، الآية 45] .
والحق أن هذه الأسطورة تستحق منّا وقفة بالنظر إلى مدى توغلها في الجاهلية المعاصرة، وتأثيرها على كثير من مجاري الفكر ومجاري السلوك، مع عدم استنادها إلى شيء على الإطلاق!
وكما يقول"ول ديورانت"عن الأثير إنه"خراقة ابتدعت لإخفاء الجهل المثقف للعلم الحديث، فهو غامض غموض الشبح أو الروح" (1) فالطبيعة الخالقة خرافة
= بما يصلح لها في دينها ودنياها.
(1) ول ديورانت، مباهج الفلسفة، ترجمة الدكتور أحمد فؤاد الأهواني، ص 72.