"بريفولت"، وكثير غيره من الباحثين والمؤرخين.
وما من شك أن أوربا لها جهدها الضخم في هذا الميدان، الذي يحسب لها في النتائج الأخيرة التي توصل إليها العلم، نتيجة الجلد والمثابرة وروح الجدّ والعزيمة التي حمل الأوربيون عبئها في القرون الثلاثة الأخيرة، ولكن هذا لا ينقص من قيمة الاهتداء إلى المنهج الصحيح، الذي جعل هذه النتائج ممكنة بالجلد والمثابرة والعزيمة، والذي لولاه لبقي العلم نظريات تجريدية، كما كان على عهد اليونان.
كما أن العقلانية التجريدية قد تحولت - بفعل التقدم العلمي التجريبي - إلى عقلانية تجريبية، فانصرفت عن عالم"ما وراء الطبيعة" (الميتافيزيقا) إلى عالم الطبيعة، واكتسبت بذلك"واقعية"في تناول مشكلات الحياة البشرية لم تكن لها من قبل، ونشأت من ذلك دوائر واسعة من الأبحاث، تحاول أن توجد حلولًا عملية للمشكلات التي تواجه الناس في حياتهم، وتصل إلى تيسيرات ضخمة في مجالات الحياة المختلفة، تستخدم فيها ثمار العلم أولًا بأول، وتُؤدي هي ذاتها إلى مزيد من التقدم العلمي..
ولكن تبقى بعد ذلك حقيقة مبدئية.. هي الانحراف الجوهري الذي ورثته الجاهلية المعاصرة من الجاهلية الإغريقية - بالرغم من التغييرات التي أحدثها المنهج التجريبي ذو الأصل الإسلامي - ذلك الانحراف المتمثل في تحكيم العقل فيما لا مجال له فيه، واتخاذه حكمًا فيما لا يصلح أن يكون حكمًا فيه.
لقد حكّمت الجاهلية المعاصرة عقلها في قضية الألوهية، فأدت بها عقلانيتها التجريبية إلى نفي وجود الله! لمجرد أن الله سبحانه وتعالى"لا تدركه الأبصار"، ولا يمكن إدراك وجوده بتجربة علمية معملية، على طريقة الكون الماديّ.. وحقيقة أن الجاهلية المعاصرة حوّلت عقلانيتها عن البحث فيما وراء الطبيعة، وكان هذا تحولًا صحيًّا سليمًا في ذاته، لأن عقلانية الإغريق في هذا المجال لم تُفض إلى علم نافع ينفع البشرية في دنياها ولا آخرتها (1) ، ولكن حكمها - بعقلانيتها - بنفي وجود الله لمجرد أن
(1) كان ما يسمى"الفلسفة الإسلامية"محاولة للاستفادة من الفكر الإغريقي في إثبات وجود الله، ولم تفض هذه المحاولة إلى شيء ذي قيمة، والمنهج القرآني هو الأولى بالاتباع، لأن منزل القرآن هو خالق النفس البشرية العليم =