ومزيد من الاضطراب؟!
وفي الصورة المقابلة، التي حققتها الأمة الإسلامية حال ازدهارها، التقى العلم والإيمان، واتسقت الشخصية المتكاملة المترابطة الموحدة الاتجاه، فلم ينشأ عن التقدم العلمي فساد في العقيدة، ولا نشأ عن الإيمان بالله توقف في المد العلمي الذي شمل كل جوانب البحث، النظري والعملي على السواء. إنما كان كل فتح جديد في باب من أبواب العلم مدعاة لمزيد من التقرّب إلى الله والإخبات إليه:
(إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) . [سورة فاطر، الآية 28] .
وقامت على يد هذه الأمة حركة حضارية ضخمة..
وتبدي الكاتبة الألمانية زيجريد هونكه إعجابها الشديد بالحضارة الإسلامية في كتابها:"شمس الله تشرق على الغرب"، كما يتحدث كثير من المستشرقين والمؤرخين الغربيين عن ازدهار تلك الحضارة في بلاد الأندلس وبلاد المشرق في الوقت الذي كانت أوربا تعيش قرونها الوسطى المظلمة (1) . وتركز زيجريد هونكه بصفة خاصة على أثر الحضارة الإسلامية في نهضة أوربا، كما يؤكد ذلك بريفولت في كتابه Making of Humanity الذي سبقت الإشارة إليه.
وليس هنا مجال حديث مفصل عن تلك الحضارة وشمولها كل جوانب الحياة: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والفكرية والفنية والمادية، وعنايتها بكل ألوان النشاط البشري، من تنظيم"للدولة"وتحديد اختصاصاتها ووظائفها، وتنظيم لعلاقات المجتمع، وعاداته وتقاليده، وتنظيم لدور التعليم، وتنظيم للحرب والسلم وشئونهما، وتنظيم للتجارة والصناعة، وتنظيم للعمران.. الخ.. الخ، فمجال ذلك كما قلنا هو البحوث المتخصصة.
إنما نحن معنيون هنا - كما عنينا في الفقرة السابقة التي تكلمنا فيها عن الحركة العلمية الإسلامية - بنقطة معينة، نراها هي الأوْلى بالإبراز في هذا البحث بصفة
(1) راجع آدم متز"حضارة الإسلام في القرن الثالث الهجري"، وجرونيباوم"حضارة الإسلام"، و"قصة الحضارة"لول ديورانت وغيرهم.