خاصة، هي انطلاق الحركة الحضارية الإسلامية من العقيدة، دون تناقض ولا تعارض ولا خصام.
كانت الجزيرة العربية تعيش على هامش العالم فترة من حياتها غير قصيرة. وكانت"الحضارات"تقوم على أطرافها في الشمال والجنوب، ويحتك العرب بها في حركتهم التجارية الدائبة في رحلة الشتاء والصيف، ولكنهم ظلوا عازفين عن تغيير معهود حياتهم، مشغولين بالثارات القبلية المستمرة عن تشكيل دولة ذات حكومة مركزية، تتوحد فيها القبائل، وينشأ عنها حضارة مستقلة.
وحين جاء الإسلام حدث ذلك كله:
(هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) . [سورة الأنفال، الآيتان: 62، 63] .
(وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) . [سورة آل عمران، الآية 103] .
ووجدت الدولة ذات الحكومة المركزية، التي تجتمع في ظلها القبائل المتناحرة فتكوّن أمة، والتي تقوم في ظلها حضارة، وغني عن البيان أن تلك الحضارة قد ولدت في ظل العقيدة الإسلامية، بل انبثقت انبثاقًا من تلك العقيدة، فقبلها لم يكن"للأمة"التي تنشئ الحضارة وجود.
ونقطة العظمة في هذه الحضارة أنها حين بدأت تنمو وتزدهر لم تخرج من ظل هذه العقيدة.. إلا حين أصابها الترف والانحراف.. وحتى حينئذ لم تنسلخ انسلاخًا كاملًا من العقيدة، إنما أصابها ما أصاب الأمة كلها من انحراف (1) .
ومرة أخرى نقول: إنه لكي نعرف هذه النعمة ونقدّرها حق قدرها فلننظر إلى الحضارة القائمة اليوم في ظل الجاهلية المعاصرة.
(1) انظر ما يلي من هذا الفصل.