الصفحة 168 من 251

وبهاتين النزعتين معًا يقوم الإنسان بدور الخلافة في الأرض، التي تشتمل على عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني، والتي هي الأمانة التي حملها الإنسان بينما أشفقت من حملها السموات والأرض والجبال.. والتي من أجلها خلق الله الإنسان ونفخ فيه من روحه، وأسجد له الملائكة.

ولقد علم الله - وقد خلق الإنسان لمهمة معينة - أنه يحتاج إلى كلتا النزعتين فركبهما في فطرته، فجعله عابدًا بفطرته، وراغبًا في التعلم بفطرته، وجعل هاتين النزعتين معًا هما أداته للقيام بالخلافة الراشدة وعمارة الأرض.

وحين يكون الإنسان على فطرته السوية التي فطره الله عليها يعمل بالنزعتين معًا بلا تناقض بينهما ولا خصام، فيعبد الله، وفي الوقت ذاته يسعى إلى التعرف على أسرار الكون، ليُحقّق ما سخر الله له من طاقات السموات والأرض.

وهو تسخير يتم من عند الله ابتداءً، ولكنه لا يتحقق في عالم البشر إلا بجهد يبذلونه، ككل شيء في حياة البشر: يقدره الله ابتداء، ويحصّلونه هم بالجهد الذي يقومون به، لأن الله قدّر - حين خلق الإنسان - أن يجعله كادحًا، وأن يجعله يُحقق ما يُحقق عن طريق الكدح.

(يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ) . [سورة الانشقاق، الآية 6] .

(لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي كَبَدٍ) . [سورة البلد، الآية 4] .

وحين يمارس الإنسان الحياة بكيانه الكامل المتناسق فإنه يُحقق ذاته بطريقة سوية، ويخط طريقه في الحياة بخطى ثابتة ونفس مطمئنة، وذلك ما حققته الحركة العلمية الإسلامية في أجمل صورة.

أما حين تفترق النزعتان، وتتخاصمان بفعل الجاهلية، فإنه يحدث انفصام في الشخصية، يؤدي إلى الخلل والاضطراب، سواء في داخل النفس أو في واقع الحياة.

ففي داخل النفس يقوم الصراع بين نزعتين توأمتين، الأصل فيهما التوافق والتناسق ووحدة الاتجاه.

وليس لهذا الصراع نتيجة إلا المرض النفسي، سواء كبتت إحدى النزعتين، أو ظلتا معًا - على السطح - متصارعتين.

وأما في واقع الحياة فماذا يتوقع من اجتماع النفوس المريضة إلا مزيد من المرض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت