الصفحة 162 من 251

الإيمان بالرسل السابقين ورسالاتهم. فخلص قلبها، واستعدت للقاء البشرية كلها بسماحة الإسلام، بلا أحقاد ولا عقد ولا ضغائن. فكان ذلك جزءًا من إعدادها لرسالتها، وجزءًا كذلك من خيريتها.

وبهذا الإعداد النفسي المتصل مباشرة بأصل العقيدة، مضت هذه الأمة تتوسع في الأرض، بإذن ربها وأمره، لتُخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة. بينما تحركت القوى العالمية الأخرى خلال التاريخ من أجل استعباد الناس وإذلالهم، ونهب أقواتهم، وإلحاقهم خُدامًا يخدمون مصالحهم علانية أو من وراء ستار.

ثم تكوّن من البلاد المفتوحة تجمع فريد في التاريخ..

لم يكن ذلك التجمع إمبراطورية كالإمبراطورية الرومانية أو الإغريقية أو الفرعونية في القديم، أو البريطانية أو الفرنسية أو الأمريكية أو الروسية في الحديث..

إنما كان"أمة"..

أمة تحمل السمات الحقيقية للأمة لأول مرة؛ بل ربما للمرة الوحيدة في التاريخ..

أمة تجمعها العقيدة.. وتكوّن العقيدة رابطتها الأولى ورابطتها الأقوى، لا الأرض، ولا اللغة ولا الجنس ولا القوم، ولا أي عصبية من تلك العصبيات الجاهلية التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم:"دعوها فإنها منتنة" (1) . وقال عنها صلى الله عليه وسلم:"ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية" (2) .

أمة يجتمع فيها بلال الحبشي، وصُهيب الرومي، وسلمان الفارسي، على مستوى القمة من سادات قريش.. بل يقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه:"أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا!"إشارة إلى بلال - رضي الله عنه - ويقول رسول الله صلى الله

(1) أخرجه البخاري.

(2) رواه أبو داود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت