ففي القديم كان القهر والإذلال والاستعباد هو السلوك الواقعي للغزاة، بغير غطاء من الشعارات الزائفة.
وفي الحديث رفعت الشعارات الزائفة للتضليل، وبقي القهر والإذلال والاستعباد هو السلوك الواقعي للغزاة.
أما في الفتح الإسلامي فقد كان الشعار المرفوع هو الإسلام، وكان السلوك الواقعي للفاتحين هو مصداق انتمائهم لهذا الدين.. فأحبَّ الناس هذا الدين، الذي يخرج هذه النماذج الخلقية والإنسانية الرفيعة.. فأصبحوا مسلمين.
وأما الذين رغبوا في البقاء على دينهم فقد كفل لهم الفتح الإسلامي عقيدتهم وحريتهم وأمنهم وطمأنينتهم، فاستقروا في ظله آمنين.
إن التسامح الديني من أبرز صفات الفتح الإسلامي، التي أفردته عن كل حركات التوسع في التاريخ (1) .
فاليهود المضطهدون في أوربا على يد النصارى - بسبب اعتقاد النصارى أنهم تسببوا في صلب المسيح، لم يجدوا لهم بلدًا يؤويهم ويعيشون فيه مطمئنين إلا الأندلس الإسلامية. فلما طرد المسلمون من الأندلس نزح اليهود معهم إلى المغرب حيث ما زالوا يعيشون حتى اليوم.
ثم كان ملجأهم الآخر هو الدولة العثمانية، حيث عاشوا في إسلام وأمن في ظل الحكم الإسلامي، وإن كانوا لخبث طويتهم قد دبروا لإزالة الحكم الإسلامي الذي نعموا تحت ظله بالسلام والأمن.
وأما النصارى فقد حماهم الحكم الإسلامي من اضطهاد بعضهم لبعض، حيث كان هذا الاضطهاد قائمًا في كل الأرض التي تخالف عقائدها عقيدة الدولة الأم. كما أمّنهم وكفل لهم الاستقرار الروحي والمادي فعاشوا أربعة عشر قرنًا آمنين.
وإن هذا التسامح الديني ليكشف عن حقيقة تفردت بها هذه الأمة، وتفردت
(1) إقرأ عن التسامح الديني عند المسلمين كتاب المستشرق ت. و. آرنولد:"الدعوة إلى الإسلام"، سبقت الإشارة إليه.