الصفحة 158 من 251

وكان لشجاعة الفاتحين وروحهم القتالية العالية أثرها في سرعة هذا الفتح ولا شك. فقد جعل الله قوة المؤمن المقاتل عشرة أضعاف عدوه الكافر، ولا تقل عن ضعفه في حالة الاستضعاف:

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ، الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) . [سورة الأنفال، الآيتان 65، 66] .

ولكن القضية التي تلفت النظر ليست هي قضية"الأرض"التي فتحت بهذه السرعة المذهلة، وإنما قضية"القلوب"!

لقد فتح الفتح الإسلامي ملايين من القلوب دخلت في الدين الجديد، بغير ضغط ولا إكراه، سواء في مصر والشام، أو في العراق وفارس، أو في الشمال الأفريقي، أو في بلاد السند أو غيرها من البلاد.

بل حدثت عجيبة أخرى لا مثيل لها في التاريخ.. أن كثيرًا من الشعوب المفتوحة نسيت لغتها تمامًا، حتى أولئك الذين بقوا من أهلها على دينهم ولم يدخلوا في الإسلام، فصارت العربية - لغة الإسلام - هي لغتهم، وصار النصارى منهم يؤدون عبادتهم بالعربية، لا بالقبطية ولا بالسريانية ولا غيرها من اللغات التي كانت لهم قبل الفتح الإسلامي، مع أنه لم يقع عمل واحد من أعمال الإكراه لتغيير لغات الناس، كالذي فعلته فرنسا في الشمال الإفريقي مثلًا، إذ لم يرو التاريخ حادثة واحدة في هذا الشأن؛ إنما تعلم الناس العربية عن رضا ورغبة دون إكراه.

هذه القلوب لم يفتحها السيف! فالسيف قد يفتح الأرض، ولكنه لا يفتح القلوب!

إنما فتحتها العقيدة الجديدة ممثلة في سلوك واقعي من الفاتحين.

وذلك من بين ما تفردت به حركة التوسع الإسلامي عن حركات التوسع التاريخية في القديم والحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت