مئات الألوف في مجازر رهيبة تعترف ببشاعتها المراجع الأوربية ذاتها، ثم أجلوهم إجلاء كاملًا من البلاد التي حكموها - بالعدل - ثمانية قرون، والتي كانت المنارة التي علمت أوربا، وأخرجتها من ظلمات قرونها الوسطى إلى النور.
وكيف فعل النصارى كذلك بالمسلمين حين غزوا الفلبين؟ لقد طردوهم من أرضهم، وحرّقوا عليهم قراهم، وظلوا يزحزحونهم من أراضيهم الخصبة ويستولون عليها قسرًا، ويدفعونهم دفعًا إلى الأرض الجرداء التي لا تثمر. ومع ذلك لا يتركونهم هناك في سلام، بل تستمر عمليات الإبادة الجماعية حتى هذه اللحظة تحت سمع العالم وبصره.. وتتمتع الفلبين برعاية خاصة من أمريكا تستعين بها على سحق ما بقي من كيان المسلمين.
وفتحت الشام.. فكان من أمرها أنهم اشترطوا على أبي عبيدة بن الجراح أن يحميهم من بطش الروم وطغيانهم مقابل دفع الجزية للمسلمين، فقبل أبو عبيدة الشرط.
ثم سمع أبو عبيدة أن هرقل يُعدّ جيشًا ضخمًا لاسترداد الشام من المسلمين. فقام بعمل لا مثيل له في التاريخ كله.. إذ ردّ الجزية لأهل الشام، وقال لهم: لقد اشترطتم علينا أن نحميكم. ولقد سمعتم بما يجهز لنا. وإنا لا نقدر على ذلك (أي على حمايتكم حسب العهد بيننا وبينكم) ، ونحن لكم على الشرط إن نصرنا الله عليهم.. فلما نصره الله عليهم عاد أهل الشام يدفعون الجزية عن رضى وهم يقولون:"أنتم - ولستم على ديننا - أحبّ إلينا وأرأف بنا من أهل ديننا" (1) .. ثم دخلوا في دين الله أفواجًا بعد ذلك، وبقي من بقي منهم على نصرانيته، يستمتع بالحماية والأمن وحرية العبادة في ظل الحكم الإسلامي.
وامتد الفتح في سنوات قليلة فشمل مساحة واسعة من الأرض لا مثيل لها فيما عرف من حركات التوسع في التاريخ.
(1) انظر ت. و. آرنولد"الدعوة إلى الإسلام"ترجمة حسن إبراهيم حسن وزميليه، ص 53.