الصفحة 148 من 251

(وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) . [سورة آل عمران، الآية 50] .

فكان المفروض في النصارى أن يحكموا بما جاء في الإنجيل مُصدِّقًا لأحكام التوراة بصفة عامة ومعدلًا لبعضها على الخصوص:

(وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْأِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) . [سورة المائدة، الآية 47] .

ولكن أهل الإنجيل لم يحكموا بما أنزل الله فيه، بل جاء بولس فحرّم عليهم الختان وقد أمرهم الله به، وجاء غيره فأحل لهم الخمر والخنزير، وقد حرمهما الله، فاتبعوهم في ذلك كله فوقعوا في الشرك الذي قال الله فيه:

(اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) . [سورة التوبة، الآية 31] .

وبيّن رسول الله وجه الشرك في ذلك حين قال صلى الله عليه وسلم، لعدي بن حاتم:"ألم يحلوا لهم الحرام ويحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم؟ فتلك عبادتهم إياهم" (1) .

بل كانت الطامة أن الشريعة بكاملها لم تطبق، بل بقيت"وصايا"خلقية يلتزم بها الأتقياء تقربًا إلى الله ولكنها لا تحكم واقع الأرض، إنما يحكم القانون الروماني ذلك الواقع، على أساس قول مدخول اعتبرته الكنيسة في إبان ضعفها، ولم ترجع عن اعتباره حين أصبح في أيديها السلطان الكافي لإلزام الحكام بتطبيق الشريعة، ذلك ما نسب إلى السيد المسيح من أنه قال:"أدّ ما لقيصر لقيصر وما لله لله"!

وهكذا فإن الأرض الواسعة التي انتشرت فيها ديانة بولس - باسم النصرانية - لم تطبق فيها الشريعة الربانية أبدًا، ولم تعرف كيف يكون الالتزام بما أنزل الله في التشريع. وحتى حين كانت تحكمها"الحكومة الثيوقراطية"، كما يسمونها فلم تكن تحكم بما أنزل الله، إنما كانت تحكم بأهواء رجال الدين باسم الدين.

وهكذا انتقلت أوربا في قضية التشريع من جاهلية إلى جاهلية، حتى دخلت في حكم الجاهلية المعاصرة التي أباحت من المظالم والمفاسد ما لم تبحه شريعة في التاريخ.

(1) رواه أحمد والترمذي وحسنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت