إن العقيدة الصحيحة في اليوم الآخر مبنية على أن الله لا يظلم أحدًا ولا يحابي أحدًا كذلك:
(وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) . [سورة الأنبياء، الآية 47] .
(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) . [سورة الزلزلة، الآيتان: 7، 8] .
ومن هنا تكون فعاليتها في النفس المؤمنة..
فقد خلق الله في الإنسان دوافع عميقة لحكمة يريدها:
(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) . [سورة آل عمران، الآية 14] .
بعض الحكمة أن تكون هذه الدوافع محركات تدفع الإنسان للعمل، للقيام بمهمة الخلافة وعمارة الأرض..
وبعض الحكمة أن تكون موضع ابتلاء للإنسان: هل يقف في تناول هذا المتاع عند الحدود التي رسمها الله؟ أم يتجاوزها طمعًا في مزيد من متاع الحياة الدنيا فتفسد حياته في الدنيا ويذوق العذاب في الآخرة؟
ولا شيء يقنع الإنسان أن يقف عند الحدود التي رسمها الله إلا إيمانه بأن ما يفتقده في الحياة الدنيا - طاعة لله واحتسابًا - ليس ضائعًا في الحقيقة، إنما هو رصيد مذخور، يتسلمه أضعافًا مضاعفة يوم القيامة، يهنأ به ويستمتع، بينما الذين غرقوا في المتاع الحرام محرومون!
بل ترتقي نفسه درجات فوق ذلك.. فلا يعود حدّ المباح هو الذي يحجزه عن التجاوز. إنما يشعر - قانعًا - أنه لا يحتاج لأن يصل إلى آخر الحد المباح! فقبلَه - بقليل أو كثير - تنتهي رغباته، ويزهد حتى في المتاع المباح! لأن نفسه قد ماتت ولم تعد ترغب! كلا! فما يريد الإسلام أن يقتل رغائب النفس، وقد خلقها الله لعمارة الأرض. ولكن لأن رغباته قد اتجهت وجهة أخرى أرحب وأعمق، وأعلى وأشف: