ذات يوم اصطحبونا إلى معرض لتطور الطيران في المملكة .. وكان مرشدنا في الجولة طيارا سعوديا كبيرا .. وكان معنا - من الضيوف العرب - أحد خبراء الإستراتيجية المرموقين في العالم العربي (سوف أخرج عن تحفظي هذه المرة لخطورة الموضوع لأقول اسم هذا الخبير: إنه الدكتور أو الجنرال يس سويد .. القائد العسكري اللبناني السابق والخبير الاستراتيجي المعروف) ..
أخذ الدكتور يس سويد يسأل الطيار السعودي عن تفاصيل مواصفات الطائرات المعروضة بالأصل أو بالنموذج أو بالصور ..
بدا الطيار السعدي سعيدا بوجود من يتجاوب معه في هذا الجمع المثقف الذي لم يتصور أن يجد فيه هذه الثقافة العسكرية الرفيعة .. ومع استمرار الجولة بدا أنهما تحولا إلى صديقين حميمين حتى كأنما غفلا عن باقي المجموعة فما من صوت غير الدكتور الجنرال يسأل والطيار السعودي يجيب في نشوة وفخر ..
ووصلنا إلى قمة التطور في تاريخ الطيران السعودي ..
إلى طائرات الأواكس ..
وراح الدكتور الجنرال يسأل بنفس طريقته السابقة أسئلة تبدو ناعمة لا يحركها إلا الفضول أو الرغبة في المعرفة ..
عرفنا على سبيل المثال إمكانيات هذه الطائرة ..
عرفنا أن ثمنها يفوق المليار دولار ..
و أن ملاحيها - فيما أذكر- أربعة معهم أربعة مساعدين ..
و أنه في الثمانينيات كان كل ما تملكه الولايات المتحدة من هذه الطائرات 18 طائرة .. كان أربعة منها في تركيا و أربعة في السعودية .. بالإضافة إلى طائرتي صهريج"ك. سي - 135"التي تساعد على إبقاء طائرات"أواكس"في الجو لفترات طويلة (22 ساعة بدلا من 11 ساعة) .
راح الرجلان يتحاوران بمتعة أن طائرات تركيا كانت تغطي الاتحاد السوفياتي كله و أن طائرات السعودية تغطي العالم العربي كله وبعضا من الدول الإسلامية ..
كنا نتابع الحوار في فتور فلم تكن معلوماتنا تتيح لنا تتبع تفاصيله .. و إلا فكيف نتابع تعليقات الجنرال و أسئلته عن تردد رادار الأواكس بالميجاهيرتز .. وعن ارتفاعها .. والمدى الذي تغطيه بمئات الكيلومترات .. وقطر الهدف الذي تستطيع اكتشافه وكيف تطورت البرمجيات لتقلل ذلك القطر من عشرين مترا إلى بضعة سنتيمترات وعلى بعد 55 ميلا بحريا .. وعن قدرة الطائرة على التعامل مع ستة أنظمة منها: كشف الأهداف المنخفضة جدًا، والأهداف العالية جدًا، ونظام الصمت الراداري لمراقبة أي إرسال راداري وتحديد موقعه. و يستطيع الرادار تحديد مواقع أجهزة التشويش الرادارية المعادية. يقوم بجمع كل المعلومات من أجهزة الرادار السلبي ليكون بالإمكان كشف وتحديد حوالي 400 هدف معادٍ وتوجيه حوالي 85 طائرة مقاتلة صديقة في وقت واحد.
كان الطيار السعودي يتحدث بفخر شديد لأن بلاده بسبب مكانتها هي أحد البلاد القليلة في العالم الذي يمتلك هذا النوع من الطائرات التي تستطيع كشف إطلاق أي صاروخ في منطقة الشرق الأوسط حيث ترصد وتسجل مكان وتوقيت إطلاق الصاروخ المعادي، وتبلغ بذلك، وفي وقت واحد، إلى مراكز القيادة والسيطرة الأرضية وطائرات الإنذار المبكر (أواكس) أو ( E&C) والتي توجه الطائرات أو الصواريخ بالمنطقة لقصف الصواريخ المعادية في موقعها وقبل انتقالها إلى مواقع أخرى. وذلك خلال ما بين 2 إلى 3 دقيقة من لحظة إطلاق الصواريخ المعادية (منهم 0.6 - 1 دقيقة إنذار) والباقي أوامر بتوجيه المقاتلات نحو الهدف، لاسيما وأن أقصى زمن يستغرقه الصاروخ سكود للوصول إلى هدفه عند أقصى مدى لا يزيد عن 4 دقائق.
وفجأة تبدلت ملامح الدكتور ياسين سويد ..