و أذكر القارئ أنني حذرت من تكرار ذات الأمر في المملكة العربية السعودية ..
ولست أدافع عن القذافي عليه من الله ما يستحق .. بل لعل بغضي له يزيد عن حكام العرب جميعا .. فموقع الرجل الإليكتروني يجهر بالكفر .. كما أن فتوى الشيخ بن باز تدمغه به .. ودعنا الآن من درجة الجنون أو الحماقة أو الخيانة أو تدمير الأمة أو الخسة والحقارة والدناءة والخداع والنفاق ونكث العهد ..
دعنا من كل ذلك الآن - ولا تثريب .. فالولايات المتحدة راضية وسعيدة بكل ذلك- ..
دعنا منه ..
لأننا هنا نتصدى لأمر آخر: وهو اتهامه بتدبير مؤامرة اغتيال ولي العهد السعودي .. نتصدى لهذا الأمر ليس بمجرد النفي بل بالسخرية والازدراء والمرارة ..
لا لأن الرجل أحكم أو أعقل من أن يفعل ذلك أو لأن دينه يردعه وخلقه يمنعه ..
لا .. ليس الأمر أيا من ذلك ..
فالرجل قرر منذ زمن أن يترك عبادة الله إلى عبادة الأمريكان .. و أشك أنه عبد الله في أي يوم ..
وهو يدرك قدر الأمير عبد الله عندهم ..
فلا يمكن أن يمسه بسوء (إلا إذا أمره الأمريكيون بذلك) .
فرية الاغتيال إذن تخضع لنفس ظروف حادث المنشية ..
أمير أو ولي عهد أو ملك تدنت شعبيته وافتضح عجزه ويلزمه تدبير حادث يشعل تعاطف الجماهير معه ويعيد إليه شعبيته.
.. نعود إلى موضوع الدعوة .. كان ذلك منذ عامين ونصف العام، حين فوجئت بالملحق الثقافي في السفارة السعودية في القاهرة يعرفني بنفسه ويدعوني لحضور احتفالات الجنادرية.
في الأحوال العادية أعتذر عن مثل هذه الدعوات، عزوفا، وتعففا، وحياء، وزهدا، وترفعا، و أحيانا اشمئزازا.
لكن كلمة"الدعوة"كان لها وقع رهيب في أذني .. وقع لا يتعلق بهذه الدعوة بالذات، ولا بالجنادرية، وإنما يعود إلى ربع قرن مضى، حيث آخر عهدي بالجزيرة العربية، بعد زيارة السادات للقدس، في عام 1977. وكنت قد عملت هناك خمسة أعوام - كطبيب- حيث عاصرت الفترة الأخيرة من حكم الملك فيصل، الحاكم العربي الوحيد الذي يستحق في نهاياته الاحترام (ولست غافلا عن موبقات البدايات) .
وفي عودتي تلك، منذ أكثر من ربع قرن، كنت ثائرا وحزينا، وكنت أدرك أن القشرة الظاهرية للحكم الإسلامي في شبه الجزيرة إنما هي تخدير للعالم الإسلامي، تخدير يصرفه عن السعي إلى وحدة حقيقية للأمة الإسلامية، بل وشرعت في ذلك الوقت في كتابة كتاب لم أتمه، وكان عنوانه: دور المملكة السعودية في هدم الأمن الإسلامي.
كنت مستفزا بالفارق بين الواقع والمثال .. وكنت غاضبا لأن الدولة التي تحوي قبلة المسلمين تجعل من المسلمين فيها مواطنين من الدرجة الثانية .. وكان معروفا أن المواطن الأول في المملكة السعودية (أحذف كلمة"العربية"عامدا متعمدا .. فالمملكة السعودية لم تعد عربية كما أن الجزيرة العربية لم تعد سعودية) .. أقول أن المواطن الأول هناك هو من يحمل الجنسية الأمريكية، والمواطن الثاني هم أفراد العائلة المالكة، والمواطن الثالث هم الأوروبيون، والمواطن الرابع هم العراقيون (كان للعراق مهابة شديدة آنذاك للدرجة التي كانت الأخبار تتناقل أن السفير العراقي لا يدخل على الأمير إلا بعد أن يدفع الباب بحذائه .. وهو إن حدث سوء أدب على أي حال) ثم يتلو ذلك باقي الجنسيات حتى القاع حيث المصريين فاليمنيين.