والقرآن -في منهج الشامل المتكامل، المتوازن في ذات الوقت [1] -يوقع على الخطين معًا: خط الرجاء وخط الخوف، بما نسميه أحيانًا: الترغيب والترهيب .. فيأخذ كل خط حظه من التوقيع، وينفعل الخطان معًا فيؤثران في أعماق النفس ..
فالشخص -المؤمن- تعرض عليه مشاهد النعيم والعذاب معًا على سبيل الترغيب والترهيب، ليتطلع إلى نعيم الجنة فيسعى إليها سعيها، ويفزع من صور العذاب فيخاف أن يقع فيها، فيبتعد جهده عن كل عمل يعرضه للوقوع فيها ..
وهكذا يلتقي الخطان في النسيج الواحد، كلٌّ يؤدي مهمة خاصة، ثم يجتمعان في صورة واحدة فلا تكاد تحس أنهما خطان مختلفان .. وذلك من الإعجاز ..
الأمر الثاني الذي يلفت النظر في مشاهد القيامة في عمومها، سواء المكي منها والمدني، أنها تعرض ألوانًا من النعيم والعذاب تشمل الحسيات والمعنويات ..
إن الحسية والمعنوية كلاهما خط من الخطوط المتقابلة في النفس البشرية .. والقرآن الذي يوقع على كل خطوط النفس وينفذ إليها من جميع منافذها، يستخدم الحسي والمعنوي معًا في الترغيب والترهيب.
فالعذاب تارة حسيّ بحت:
"إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ" [2] .
"أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ، إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ، طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ، فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ، ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيمٍ، ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ" [3] .
"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا" [4] .
وتارة هو عذاب معنوي بحت:
".. وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ" [5] .
"وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا، يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا، لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا" [6] .
"يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَانٌ يُغْنِيهِ" [7] .
وتارة هو حسي ومعنوي في ذات الوقت، وهو الأغلب في مشاهد العذاب:
"وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاء سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" [8] .
"بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا، إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا، وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا، لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا" [9] .
(1) انظر فصل"خصائص المنهج"في الكتاب السابق.
(2) سورة البروج: 10.
(3) سورة الصافات: 62 - 68.
(4) سورة النساء: 56.
(5) سورة فصلت: 16.
(6) سورة الفرقان: 27 - 29.
(7) سورة عبس: 34 - 37.
(8) سورة يونس: 27.
(9) سورة الفرقان: 11 - 14.