إنه شريط حافل بالحركة والحوار والمشاهد المتقابلة .. ولعله أطول"عرض"في القرآن كله لمشاهد القيامة .. وإنه ليعرض صور المكذبين وصور المؤمنين يوم القيامة على"المتفرجين"هنا في الدنيا ليرى المكذبون صور"أمثالهم"في عذاب جهنم -بل صورهم هم في الحقيقة، ويروا صور المؤمنين المصدقين رافلين في النعيم، فتتأثر وجداناتهم وتلين قلوبهم للتصديق!
على هذا المنوال تجري"مشاهد القيامة"في السور المكية [1] . ويلفت نظرنا فيها ثلاثة أمور بصفة خاصة:
الأول: إنها في الغالبية العظمى منها- باستثناءات قليلة جدًا- تجمع بين مشاهد العذاب ومشاهد النعيم في سياق واحد، وذلك يجيء على خطين مختلفين يلتقيان في النهاية كأنهما شيء واحد!
فهذا الحديث أولًا ليس موجهًا للكافرين المكذبين وحدهم، ولكنه موجه للمؤمنين كذلك. وإذا كان المكذبون وحدهم قد اختصوا بالجانب الأول من الحديث، وهو الجدل المنطقي الوجداني لإثبات أن الله قادر على بعث الموتى ومساءلتهم يوم القيامة [إذ المؤمنون مصدقون بذلك وليسوا في حاجة إلى إثبات] إلى أنهم -أي المؤمنين- حتى في هذا الجانب مدعوون للمشاهدة! ليروا تلك النماذج العجيبة من البشر ويتعجبوا من انطماس بصيرتها، فيزيدهم ذلك -بوعي أو بغير وعي- تثبتًا وإيمانًا بقضية البعث، على نمط ما جاء في سورة المدثر:
"وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ .." [2] .
أما المواضع التي تعرض فيها مشاهد تعذيب الكافرين المنكرين مع توجيه الخطاب المباشر إليهم ليروا أنفسهم مباشرة في عذاب جهنم، وتلك التي تعرض فيها مشاهدهم دون التفات مباشر إليهم .. ففي كليهما تجيء صور المؤمنين في النعيم -إلى جانب صور العذاب- سواء وجه الخطاب المباشر إلى المؤمنين أم حكى السياق عنهم مجرد حكاية، لأن الخطاب موجه في الحقيقة -بطريقة مباشرة أو غير مباشرة- للفريقين معًا: المؤمنين والمكذبين. ولذلك تجيء مشاهد النعيم إلى جانب مشاهد العذاب، فيجد كل فريق ما يخصه من هذه المشاهد.
هذا هو الخيط الأول في نسيح العرض ..
أما الخيط الثاني، المتداخل معه في نسيج الصورة ذاتها، فهو أن مشاهد النعيم والعذاب واردة لكل شخص بمفرده، في ذات الوقت الذي يختص فيه كل فريق بجانب من جوانبها!.
إن القرآن يربي النفس البشرية من جميع جوانبها، وينفذ إليها من جميع منافذها.
والخوف والرجاء هما أعمق خطوط النفس البشرية وأعظمها أثراُ في حياتها ..
فكل نفس بشرية تولد وفي أعماقها هذان الخطان الفطريان: خط ينفعل بالخوف، وخط يتحرك بالرجاء. وهما متجاوران ومتقابلان في بنية النفس، يتحركان -في الغالب- معًا، ويؤثران معًا في تحديد مسار الحياة؛ فعلى قدر ما يخاف الإنسان ويرجو، وبنوع ما يخاف ويرجو، تتحدد قيمه وسلوكه ومنهج حياته كله .. [3] .
(1) انظر بالتفصيل -إن شئت- كتاب"التصوير الفني في القرآن"و"مشاهد القيامة في القرآن"لسيد قطب.
(2) سورة المدثر: 31.
(3) انظر فصل"خطوط مقابلة في النفس البشرية"من كتاب"منهج التربية الإسلامية"الجزء الأول.