"ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ، أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ، قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ، بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ، أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ، وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ، وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ، وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ، رِزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ" [1] .
هذه -ومثلها في السور المكية كثير- نماذج من الجدل مع المكذبين بالبعث. إنه يورد الدليل العقلي الذي قوامه أن الله الذي خلق السماوات والأرض أول مرة، والذي يحيي الأرض الموات فتزخر بالحياة والأحياء بعد أن كانت مقفرة، والذي خلق هذا الإنسان المعقد التكوين أشد التعقيد من النطفة البسيطة .. قادر على أن يعيد الحياة للعظام وهي رميم، ويبعث الناس من رقدتهم مرة أخرى .. ولكنه لا يورده قضية منطقية جافة، ولا يحصره في محيط الذهن، إنما يثير معه الوجدان بالتوقيع على أوتار القلب الفطرية التي أردنا ذكرها من قبل في الحديث عن"الإيمان بالله"فينفعل الوجدان ويقتنع الذهن جميعًا في آن ..
أما الطريقة الثانية في مواجهتهم فهي رسم صورهم هم أنفسهم في العذاب يوم القيامة! وهي طريقة مفزعة لهم! تتجاوز أذهانهم المنكرة، لا تخاطبها أصلًا ولا تدخل في جدل معها، إنما تقتحم عليها إنكارها، وتعرض عليها الصورة في جهنم، وكأنما تقول لهم: أنتم تكذبون بالبعث والحساب؟ إذن فانظروا إلى أنفسكم في مرآة الغد .. إنكم هؤلاء في جهنم!!
وكونهم يوم القيامة في جهنم إذا أصروا على الكفر، هذه حقيقة ولا شك. والقرآن يعرضها على أنها حقيقة مقررة. ولكنا هنا بصدد المكذبين أنفسهم، وطريقة مخاطبتهم .. إنهم منكرون للبعث أصلًا، لا تصدقه عقولهم ولا نفوسهم .. ولكن القرآن 0هنا لا يجادهم ليثبت لهم بالمنطق- أي نوع من المنطق- حقيقة البعث، وإنما يلجأ إلى التأثير عليهم من جانب آخر -وجداني على الأكثر- وهو عرض صورهم عليهم وهم في نار جهنم، لتنفعل وجداناتهم -بصرف النظر عن أذهانهم- فتقتنع اقتناعًا وجدانيًا بحقيقة البعث:
"قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ، يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ، يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ، ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ" [2] .
"إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ، مَا لَهُ مِن دَافِعٍ، يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاء مَوْرًا، وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا، فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ، الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ، يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا، هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ، أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ، اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاء عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" [3] .
(1) سورة ق: 1 - 11.
(2) سورة الذاريات: 10 - 14.
(3) سورة الطور: 7 - 16.