ولقد دعا القرآن إلى إعمال العقل على نطاق واسع شامل في جملة مهام من أولها التعرف على الله بتدبر آياته في الكون، والتعرف على صدر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بدراسة أحواله. وقال:"إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" [1] ."إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" [2] ."أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا" [3] ."قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ" [4] ."أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ" [5] .. الخ .. الخ .. ثم كلفه بعد ذلك بمهام تعطيه"عملًا كاملًا"لا بطالة فيه أبدًا، حيث كلفه بتدبر آيات الله في الكون مرة أخرى للتعرف على السنن التي يُجْري بها الله هذا الكون، ليتمكن من استخلاص طاقاته ويحقق معنى تسخير السماوات والأرض من الله للإنسان، ويبحث عن رزق الله المكنون في هذا الكون بالعلم النظري والتطبيقي. وكلفه بتدبر حكمة التشريع ليحسن تطبيقه في الأرض وكلفه بالتدبر في الوسائل والأسباب التي يصل بها إلى إقامة المجتمع الراشد، بعد أن وعّاه سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا .. الخ وكلفه أخيرًا بتدبر سنة الله في الذين خلوا من قبل، حتى يتحاشى ما أصابهم من سوء نتيجة بعدهم عن طريق الله .. وهي مهام أضخم بكثير وأشمل مما يخصصه أي نظام بشري للعقل البشري!
ولكن القرآن مع هذا كله لم يكل أمر الإيمان كله للعقل وحده سواء الإيمان بالله أو الإيمان باليوم الآخر .. وهذه هي القضية التي نلفت النظر إليها!
إن الإيمان يشمل الإنسان كله. والعقل واحد من جوانب الإنسان فحسب، وليس هو كل الإنسان!
ولقد خاطب القرآن العقل -في شأن الإيمان- بما يمكن أن يدخل في نطاقه. ولكنه لم يكن ليقصر خطابه على العقل، كما يريد"العقلانيون"سواء في أول التاريخ الإسلامي أو في آخره .. لأن معنى ذلك إهمال جوانب أخرى من الإنسان تتصل بالإيمان، لا تقل أصالة عن العقل، إن لم نقل إنها -في مجال الإيمان- أكثر وأعمق وصولًا إلى الله!
ولا ينبغي أن تفزعنا صيحات العقلانيين، القدماء منهم أو المحدثين، بأن الأمر ينبغي أن يعرض كله على العقل فيجيزه، وإلا فهو خرافة لا تليق"بالإنسان"!!
إن العقل نفسه قاصر عن أن يعرف كيف يعمل هو ذاته!! وتلك حقيقة"علمية"قد تفاجئنا لأول وهلة! ولكنها حقيقة! فالعقل لم يعرف بعد كيف تتم عملية التفكير في العقل البشري وكيف تتم عملية التذكر وإن كانت هذه وتلك من"الروتين"اليومي لذلك العقل!
أفإن كان بهذا القصور .. فهل يريد أن يستحوذ على عملية الإيمان كلها ... فإما أن تتم كلها عن طريقه وإما أن يرفضها؟!!
كلا! والله!
وإن الله الخالق العليم ليعلم أن للإيمان مداخل في القلب البشري غير العقل، فلا يقصر الأمر على العقل وحده، إنما يخاطب الروح بلغتها ويخاطب الوجدان، بالطريقة الربانية المعجزة التي تصل إلى مكامن العقيدة كلها ولا تهمل واحدًا منها يؤدي إلى الإيمان!
(1) سورة النحل: 67.
(2) سورة النحل: 69.
(3) سورة النساء: 82.
(4) سورة سبأ: 46.
(5) سورة الأعراف: 184.