الصفحة 47 من 379

لذلك كان التذكير الدائم -للمؤمنين- باليوم الآخر، لكي يتقووا على الجهاد، ولا تقعد بهم مشقاته وعذاباته وحرمانه عن المضي فيه ابتغاء مرضاة الله .. ولهم على ذلك الجنة والنعيم المقيم ..

"إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" [1] .

تحفل السور المكية بمشاهد القيامة، والحديث عن البعث والحساب ..

وقد كان بعض السبب كما قلنا إنكار العرب الباتّ للبعث. وبعضه الآخر لضرورة تقرير هذه العقيدة وترسيخها في نفوس المؤمنين حتى تستقيم حياتهم في الأرض، لأنها -كما علم الله- لا تستقيم بغير هذه العقيدة مستقرة راسخة عميقة ..

فأما العرب المنكرون للبعث فقد جادلهم أحيانًا وواجههم أحيانًا بأسلوب آخر أفعل في التأثير، هو تصويرهم هم أنفسهم في نار جهنم يشتوون فيها، أو بين يدي الله يوم البعث يسألهم فيجيبون والخزي يلفهم ويشملهم: إنهم كانوا كافرين، وكانوا خاطئين! أو يضرب عنهم صفحًا، ويمضي يستعرض مشاهد القيامة غير ملتفت إليهم، وإن كان المقصود في النهاية هو التأثير عليهم!

فأما الجدل فهو جدل منطقي ولكنه ليس منطق الذهن المجرد الذي يجعلها قضية ذهنية باردة لا تخرج من نطاق الذهن ولا تحرك الوجدان .. ذلك أن الذهن كثيرًا ما"يقتنع"أو على الأقل يعجز عن المواجهة ومع ذلك لا يغير الإنسان موقفه! إما عنادًا -وهو أمر نفسي وحالة نفسية- وإما لأنه لم يقتنع"وجدانيًا"بالقدر الذي يحركه من موقفه الجامد إلى موقف جديد!

وإن كثيرًا من الناس -وخاصة الذين فتنتهم"العقلانية"الغربية في القرن التاسع عشر والقرن العشرين- ليمضون يبحثون عن"الدليل العقلي- في القرآن، حتى إذا وجدوه مضوا فرحين به كأنما عثروا على الكنز الذي لا يقدر! أو كأنما عثروا على الردّ المسكت، الذي يردون به على أعداء الإسلام، الذين يهاجمون القرآن بأنه لا يحوي أدلة عقلية، وأنه لا يصمد للنقد العقلي!!"

وهؤلاء إن كانوا مخلصين -ولا نحسبهم إلا كذلك- فالله يأجرهم على إخلاصهم .. ولكن القضية -بعد- في حاجة إلى دراسة من ناحية أخرى لا تتأثر بتيارات الفكر الجاهلي .. سواء كان هو الفكر اليوناني الفلسفي القديم أو خلفاؤه في الجاهلية المعاصرة من عقلانية وما إليها [2] .

إن كون القرآن لا يناقض العقل ولا ينافيه هذه قضية .. وكون"الدليل العقلي"في أمر الدين هو الجدير بالإكبار والتعظيم، والتفضيل على غيره من الوسائل، قضية أخرى مختلفة .. وجديرة بالمراجعة ..

إن القرآن كتاب تربية وتوجيه .. مهمته إنشاء الأمة المؤمنة التي تقوم بالخلافة الراشدة في الأرض، والتي يتحقق فيها قوله تعالى:"كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ .." [3] وقوله تعالى:"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا" [4] .

(1) سورة التوبة: 111.

(2) يقر سارتر في كتابه الذي يدافع فيه دفاعًا حارًا عن اليهود"تأملات في المشكلة اليهودية"الصادر سنة 1948 بأن اليهود هم الذي أنشأوا العقلانية المعاصرة ليحاربوا بها العقيدة .. فما أحرانا أن نلتفت إلى ذلك!

(3) سورة آل عمران: 110.

(4) سورة البقرة: 143.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت