ولكنه باق حتى اليوم، ينبعث في حركات بعث متتالية متواصلة، لأنه عقيدة لا لأنه نظام .. أو لأنه عقيدة ينبثق منها نظام ..
وقد حاول أعداؤه في الحروب الصليبية الأولى أن يحطموه كنظام، أو دولة حامية للنظام .. ولكنهم أدركوا أنهم فشلوا .. فعادوا في الحروب الصليبية الحديثة يحاولون أن يحطموه كعقيدة، ليضمنوا ألا تقوم الدولة ولا يقوم النظام .. ومن بين حربهم له كعقيدة أن يقولوا للمسلمين -"المثقفين"منهم بصفة خاصة- إن العقيدة لم يعد لها اعتبار في هذا العصر الذي نعيش فيه! وإن المهم ليس هو العقيدة إنما هو النظام! فإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إن الديمقراطية ليست نظامًا فحسب وإنما هي عقيدة! وإن الشيوعية ليست نظامًا فحسب وإنما هي عقيدة [أو"فلسفة"كما يقولون!] يحاولون أن يسندوا نظمهم الجاهلية بشيء يشبه العقيدة .. فإذا تحدثوا عن الإسلام أهملوا العقيدة وتحدثوا عن النظام .. ثم قالوا إن النظام الإسلامي غير قابل للتطبيق في القرن العشرين!
إنها الحرب بكل وسائل الحرب .. ولن ننتظر من الأعداء غير الحرب .. والله هو الذي يقول:
"وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ .." [1] .
"وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا .." [2] .
إنما نحن ينبغي أن نعرف ديننا على حقيقته، ولا نتلقى حقائق ديننا من أعداء هذا الدين!
إن العقيدة في هذا الدين هي الدافع لكل شيء فيه: هي الدافع لإقامة"النظام"بكل مزاياه الربانية التي لا توجد في أنظمة البشر ومناهجهم. وهي الدافع لحماية هذا النظام الرباني من أعدائه الذين لا يرغبون في رؤيته قائمًا في الأرض. وهي الدافع لنشر الدعوة، وللجهاد لكي تكون كلمة الله هي العليا في كل الأرض. وهي الدافع للتخلق بالأخلاق الربانية التي ينبغي أن يكون عليها المسلم. وهي الدافع للتعلم. وهي الدافع لعمارة الأرض على الطريقة الربانية المستنيرة الراشدة، التي تنشئ حضارة"إنسانية"شاملة، لا مادية ولا حيوانية ولا آلية متجردة عن الإنسانية ..
وحين تضعف العقيدة أو تنهار .. ينهار هذا كله ..
وحين تكون العقيدة قوية فإنها هي تنشئ هذا كله .. كما حدث مع الأمة المسلمة الأولى، التي لم تكن من قبل أمة علم ولا حضارة ولا نظام، فدفعها الإسلام إلى إنشاء أكبر حركة علمية وقتئذ، وما زال تراثها -وهو المنهج التجريبي- هو الذي تقوم عليه الحركة العلمية اليوم، وإنشاء أكبر حركة حضارية وقتئذ، تبدو إلى جوارها الحضارة المادية الجاهلية المعاصرة الخاوية من الروح نكسة بشرية تعمل حثيثًا على تدمير مقومات"الإنسان"، كما أنشأت تلك الأمة دولة نظامية مترامية الأطراف تحكم كلها بشريعة الله على مستوى الدولة"الأم"، لا كما تصنع"الامبراطوريات"، تخص نفسها بتشريعات لا تنفذها في بقية"المستعمرات".
لذلك يحرص القرآن على ترسيخ هذه العقيدة وتقويتها، وجعل كل التنظيمات والتشريعات والتوجيهات مرتبطة بها ومنبثقة عنها، بقدر ما يحرص أعداء الإسلام على قتل هذه العقيدة وطمس معالمها!
في السور المدنية نجد ربطًا كاملًا بين"العقيدة"و"الشريعة"يُلْفَتُ النظر إليه لفتًا مباشرًا كما تحمله الإشارات والتلميحات ..
(1) سورة البقرة: 120.
(2) سورة البقرة: 217.